عالـــم واحد One world ..

منتديات ثقافية .فنية .. عامة ..للجميع .
 
الرئيسيةالرئيسية  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  التسجيلالتسجيل  الأعضاءالأعضاء  المجموعاتالمجموعات  دخول  

شاطر | 
 

 Franz Kafka, فرانز كافكا

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
المحرر
Admin


عدد الرسائل : 20
العمر : 39
تاريخ التسجيل : 04/05/2007

مُساهمةموضوع: Franz Kafka, فرانز كافكا   الخميس نوفمبر 15, 2007 10:34 am

فرانز كافكا..
المبدع الذي اخترق سقف الإبداع!
.

.
يسرّنا.. بل "نتعمّد" أن يكون أول ملفٍ، كتجريبٍ لهذا القسم من المنتدى، عن المبدع فوق العادة (كافكا).. وهنا سنجمع مختاراتٍ حوله، عن سيرته، وبعض ما قيل حوله بأقلام من قرأوه وتأثروا به.. ومقتطفات من أعماله.
]فرانز كافكا 1883 - 1934
بقلم/اكرم الشيخ مهدي مقلد
مرور سريع وخلود دائم في عا لم القصة يقول الكاتب الإنكليزي(كولن ولسن) في دراسته الموسومة باسم فن الرواية: (ان تأثير الرواية على مر العصور كان اكثر بكثير من تأثير نظريات داروين وفرويد وماركس مجتمعة على الحضارة الانسانية). قد يكون في هذا القول بعض المحاباة كون(كولن ولسن) نفسه كاتباً للرواية. ولكن هنالك الشيء الكثير من الحقيقة في هذا القول فتأثير الرواية لايمكن ان يخفى على احد. ففي عام1983 احتفل العالم بالذكرى المئوية لميلاد فرانز كافكا ،احد ثلاثة اعمدة في ادب القرن العشرين، كان تأثيرهم واضحاً على البشرية والاثنان الاخران هما جيمس جويس)و(مارسيل بروست). لقد عرفنا نحن معشر قراء العربية (كافكا) من خلال رواياته المعربة ومنه(المحاكمةوالقلعةوقصته القصيرة(المسخ) وفي السينما لم تزل روايته (المحاكمة) التي مثلها(اورسون ويلز) ماثلة في اذهاننا نحن جيل الخمسينات من القرن العشرين. ولد فرانز كافكا في الثالث من تموز من عام 1883 بمدينة براغ ومر بهذا العالم مروراً سريعاً فلم يعش إلا اربعين عاماً. ولكن على قصرها كانت كافية لأن تمنحه خلود المبدع ووهج الفنان . عاش كافكا في احضان اسرة يهودية ولكنه رفض الحياة الدينية اليهودية لأنها في رأيه تقوم على النفاق اكثر ما تقوم على الايمان. لقد عاش كافكا عالماً من الحيرة فهو لايستطيع العودة الى دين ابائه لأن عقله لايطمئن الى هذا الدين. وفي الوقت نفسه لايستطيع ان يستغني عن حياة دينية صادقة تملأ القلق بوهج الايمان . فكان يعيش تأنيب الضمير والشقة المهتزة . وفي الوقت نفسه يعاني من حيرة اخرى انبعثت من صلته بوالده. فقد انكر سيرة والده في الدين وفي الاسرة لانها برأيه كانت تقوم على التسلط وانهيار العهود والاخلاق فيها. ففي السيرة الذاتية التي كتبها بعنوان(رسائل الى ابي) والتي لم يقرأها ابوه يوضح كافكا بأن فشله في الحياة وهروبه من الحياة الاجتماعية بل وإنكاره مؤسسة الزواج الى ابيه. ومن هنا كان مخلصهُ الوحيد هو الأدب ، نعم لقد كانت محنة كافكا في الحياة نعمة على الادب العالمي فمن خلال الم ومعاناة كافكا بصفته انساناً .أبدع بروائعه الخالدة والتي اغنت الادب العالمي ، فقد التجأ الى الكتابة ليهرب من جحيم الاخرين. في دنيا لم يحبها ولم يعرف لماذا وجد فيها. لكن ككل الناس عليه ان يكمل الرحلة التي لم تطل ربما كانت اهم صفة امتاز بها كافكا هي صدقه واخلاصه وبعده عن التكلف حتى في حياته العامة. ومن اجل ذلك كان يكتب لنفسه اكثر ما كان يكتب للناس. وفي الوقت نفسه كان غامضاً فهو ابعد الناس عن الصراحة اقرب الى اللغز فيما كان ينتج من القصص الطوال والقصار . لم يكن راغباً حتى في نشر قصة ولكن صديقه(ماكس برود)كان يدفعه لذلك دفعاً. وينشر في حياته قصصاً لاتتعدى السبعة في مجلات مختلفة . وكانت وصيته لصديقه(ماكس برود) هي ان يحرق كل ماكتبه. ولقد وقف ماكس حائراً ثم قرر في النهاية ان ينشر جميع قصص كافكا وفاءً لذكراه، ولم تمض على وفاته سوى اعوام قليلة حتى ،كانت قصصه منتشرة في المانيا ثم في اوربا الوسطى الى اوربا الغربية،وتلقاها الفرنسيون والانكليز (بترحاب كبير) . ولعل الكثير من الحركات الادبية كالوجودية ، والرمزية، وادب اللامعقول. اعتبرت كافكا بطلها في حياته الادبية. كافكا من خلال قصصه: تبدو قصص كافكا غريبة في محتواها كل الغموض فيما ترمي اليه. وحتى شخوص قصصه تتصرف تصرفات تبدو غريبة لكنها بالنسبة الى كافكا طبيعية لانها تعمل ما يعتمل في داخله من ثورة ضد الحياة البشعة وضد البؤس واليأس الذي عاشه. لنفهم كافكا جيداً بصفتنا قراءً ونقاداً وكنقاد علينا ان نكون جزءاً من قصصه. فلنكن ايها القارئ العزيز جزءاً من شخوص روايته(المحكمة،القلعة، وامريكا). في رواية المحكمة او القضية يبدأها بداية عادية لكنها غريبة كل الغرابة (رجل يفيق من نومه ذات صباح، وينتظر ان تحمل الخادمة اليه طعام الافطار ، ولكن الخادمة لا تدخل عليه بل يدخل عليه رجلان يزعمان انهما يمثلان الشرطة وانهما قد اقبلا للقبض عليه. ثم يلقيان عليه اسئلة سخيفة يعرف بعضها . انه متهم وانه سيدعى ذات يوم الى المحكمة وينصرف الشرطيان وهو حائر ويفكر لهذا التصرف، وقلق يريد ان يتبين التهمة ولكنه بعدان يذهب الى عمله. يحاول ان يقنع نفسه بأنه متهم وان عليه ان يدافع عن نفسه وذات يوم يدعى الى المحكمة وهو مكان غريب لاصلة له بالمحاكم او دور الشرطة وفي اليوم الموعود يذهب وهو في حالة ذهول ، دار قذرة كثرت فيها السلالم والدهاليز . ولايجد الناس فيها طريقهم وهي تضج بفقراء الناس. وحين يصل الى غرفة المحكمة يرى جمهوراً غريباً وجمعاً من الموظفين . فيجلس في مواجهة القضاة ويحاورهم دون ان يفهم منهم شيئاً. ثم ينصرف دون ان يعرف التهمة ويتصل بكبار المحامين. ويعده اولئك بالدفاع عنه والتبرئة ولكن لااحد بينهم يفهم التهم . ولم يدله احد على مكان الجريمة وذات مساء يقبل رجلان في زي رسمي فيستجيب ، وعندما يخرج معهما يطرحاه ارضاً ويغمدا خنجراً في قلبه حتى اذا عرف انه الموت قالكما يموت الكلب) وتنتهي القصة. اغلب الظن ان كافكا اراد بقصته الرائعة هذه ان يصور الانسان ابن الخطيئة الذي لاشك في خطيئته ولايبرأ منها. لايعرف كيف دفع اليها ولاكيف تورط فيها. هناك اذن خطيئة وهناك قاضي يعاقب على هذه الخطيئة . انه يجهل القانون ولايعرف اين يجدالقاضي. وان كافكا يصور الانسان البائس الذي اجبر على الحياة دون ان يريدها واجبر على الموت دون ان يريده وانها حرب الانسان بين الموت والحياة. وفي قصة(القلعة) او القصر ، ننتهي الى النتيجة البائسة نفسها. فالبطل هنا اقبل من جهة مجهولة الى قرية مجهولة. يطل عليها قصرٌ. وهو يقول للناس انه دعي الى هذه القرية بأمر من القصر ليعمل كمساح ويريد ان يتسلم عمله. ولكنه لايجد سبيلاً الى ذلك، يحاول ان يتصل بالهاتف فلا يسمع سوى اصوات غامضة لاتدل على شيء . ويحاول ان يتصل بالعمدة فلا يجد عنده علماً من اختاره لهذا المنصب. ويحاول ان يصل الى القصر بواسطة السعاة الذين يتنقلون بين القرية وسادة القصر فلا يحصل على شيء، وانما هو الخداع الذي يتبعه ضياع والحيرة تتبعها الحيرة والفناء المهلك والشقاء الذي لايطاق. وتنتهي القصة بدون ان يصل المساح الى نتيجة حتى يدركه الموت بأنه الغريب الذي لا يعلم من اين جاء ولااين يمضي. انما يتصور انه قد دُعي وان هناك عملاً ينبغي ان ينجز . ثم يحال بينه وبين هذا العمل . وهكذا تضيع الحياة بين الجهود العبثية ولو انه استطاع ان يصل الى القصر ويتحدث الى اسياده ، لوضحت المعاني ولكن الاسباب منقطعة بينه وبين القصر. القصر موجود وهو يدير حياة الناس ما في ذلك من شك. ولكنه يدبر الا مورعن بعد ولايسمح لاحد بأن يتصل به او يراجع في قليل او كثير . فكافكا لايذكر وجود القوة الخارجة المبررة ولكنه لايعرف كيف يتصل بها فلماذا ولماذا اتحمل مالايحتمل. اما في قصته الثالثة(اميركا) والتي يقول عنها (ماكس برود) فيها شيء من الامل لكنها كذلك لاتنتهي الى غاية . بطل القصة جين في السادسة عشر من عمره سخط عليه ابوه لان خادمة اغوته. فيسافر الى امريكا حيث تتعاقب عليه الاحداث ثم ينتهي به الامر بعد كثير من المتاعب ان يجد عملاً في فرقة تمثيلية غامضة اشد الغموض. وقد وضع مع زملائه في قطار ذهب به الى مكان مجهول . وبعدها تنتهي القصة ويبقى مصير الصبي مجهولاً بعد ذلك. فهل وصل المدينة التي ارسل اليها؟ وماهي الحوادث التي تعرض لها اثناء السفر ، قبل ان يصل القطار غايته؟ وهكذا فإن القصة ناقصة فلماذا لم يكملها كافكا؟. باعتقادي ان كافكا ترك النهاية مفتوحة ، لانه اراد ان يوصل الى القارئ قصة الانسان غير العادي المستنفر الذي لاتعرف نهايته ولايعرف مصيره. اخيراً اصبحنا نعلم جميعاً الكاتب والقارئ والناقد ان قصص فرانز كافكا من الخصب والقوة بحيث رسخت في الادب العالمي بكلتا قدميها، شامخة كقلعته الخالدة او قصره المنيف ومازال الكتاب اليوم يجدون في رموزه. وأجوائه الغامضة المثقلة بالكوابيس مثالهم المهم. نعم صديقي العزيز(كافكا)على الرغم من اجوائك الغامضة وكوابيس قلعتك البحرية ، الا انك تظل قريباً الى كل نفس هائمة. هدفها الانسان في غموضه وسحره الجميل. ويالشقاء من لايحبك.
[center]هذا المقال من موقع جريدة الجريدة
______________________________
ثمانون على غياب الكاتب التشيكي فرانز كافكا
عين الحرّ المتشائم ثابتة على ساعة الجدار تنتظر الخلاص



جمانة حداد
(لبنان)

"أكتب غير ما أتكلم، أتكلم غير ما أفكر،
أفكر غير ما يجدر بي أن أفكر،
وهكذا دواليك حتى أعمق أعماق حلكتي".
فرانز كافكا

رغم أن لرواياته وقصصه، ظاهرياً، خصائص الحلم أو الهلوسة، إلا ان الكاتب التشيكي باللغة الألمانية فرانز كافكا لم يكن إنسانا حالماً، ومن غير المبالغ حتى القول انه كان عاشقا للواقع وشغوفاً به. فالبصمة السحرية في مؤلفاته مستقاة من لدن الواقع المحسوس، ناهيك بأن يومياته ومراسلاته، التي نعيد اكتشافها اليوم في طبعة جديدة في ذكرى ثمانين رحيله، تعج بالملاحظات حول ما رآه في الشارع، كذلك حول طبيعة الوظيفة التي شغلها وعلاقته الملتبسة بها.
كُتب الكثير بلا ريب عن علاقة كافكا بعمله، وعن المعاناة التي تسبب بها له طغيان الواجبات. لكن هل كانت هناك حقا غربة مطلقة بين فرانز الموظف وكافكا الكاتب، أم ان الأخير توصل في شكل ما الى ردم الهوة مع وجهه الآخر، والى رتق المزق القدري بينهما؟ هل كان ثمة فصام بين الرجلين، أم انعقدت مصالحة سرية بين هذا وذاك؟ إنه التساؤل الذي تطرحه دراسة حديثة حول الوظيفة في حياة الكاتب (وحول حياة الكاتب في وظيفته) صدرت حديثاً في ألمانيا بقلم الباحث كلاوس فاغنباخ، وتسدّ النقص الفادح اللاحق بصورة كافكا على هذا المستوى.
مثيرة للاستغراب ضآلة اهتمام الباحثين بنشاطات كافكا الإدارية، في حين أن دراسة يومياته في المكتب من شأنها ان تضيء منطقياً نواحي كثيرة من شخصيته وأن تشرّع على أعماله آفاقاً مجهولة الوجود. فإلى حين المعرض الباريسي الضخم الذي نُظم له عام 1984 في مئوية ولادته، وكان تحت عنوان "قرن كافكا"، ومعرض آخر لاحق حول نشاطاته الوظيفية أُقيم في مارباخ العام الفائت، كان كيان الكاتب على هذا المستوى غامضاً الى حد ما، علماً ان هذا الكيان ليس حاسماً على مستوى تحديد الشروخ في حياته فحسب، بل بخاصة لإظهار كيفية استخلاص كافكا من ازدواجيته هذه، ومن وظيفته تحديداً، غنى روائياً لا يُستهان به وجزءاً كبيراً من معرفته بالكون والإنسان.
بدأ كافكا مسيرته العملية في الرابعة والعشرين لدى نيله وظيفة في شركة تأمين بصفة مساعد إداري. بدايةً عانى الشاب المسكون بحمّى الحرية الكثير من الضغوط من جراء القيود الصارمة التي تفرضها طقوس العمل، هو الذي كان لا ينفك يتوق الى الهرب والى عيش المغامرات. لذلك فإن وطأة الدوام الخانق، والعين الثابتة على الساعة الجدارية في انتظار لحظة الخلاص، والملل المضني الذي كانت تثيره في نفسه التفاصيل البيروقراطية، كلها عوامل غذّت ميوله الفطرية الى التشاؤم وأظلمت رؤيته، المظلمة أصلا، الى الحياة. فالشاب الذي كان يطيّر نظراته من النافذة حالماً بالسفر الى بلدان بعيدة وغريبة، خضع في الوظيفة للآليات البسيكولوجية نفسها التي أرهبت أعوامه المدرسية. هنا أيضا واجه الخوف الذي كان يشعر به منذ الصغر إزاء الأب، وهنا أيضا البرودة التي كانت تطبع أجواء عائلته، وهنا الإحساس بالاختناق واللاانتماء. بذلك أصبح المكتب امتدادا لمنزل الطفولة غير المحبوب وغير المحبّ، مرادفا لغربة صاعقة، لانفصال شبه قدري عن نظرائه، تماما مثلما كان يتألم فرانز الطفل بسبب اختلافه عن مجموعة رفاقه في المدرسة وعدم انسجامه معهم. وعلق كافكا تدريجياً في حلقة مفرغة، وغدت الوظيفة نوعاً من أنواع العبودية، حيث الحياة صراع مستمر، أكاد أصفه بـ"الراسيني"، بين الرغبة والواجب، بين الحقيقة المشتهاة وتوأمها البشعة، الحقيقة المفروضة فرضاً، بين التوق الساحق الى الكتابة وضرورة العمل الساحقة بدورها.
إلا ان هذا الاشمئزاز الذي كان يثيره المكتب في نفس كافكا لم يكن خاليا من بعض الدلال، ان صح التعبير، اذ لم يكن ناتجا من أحكام الوظيفة في ذاتها بقدر ما كان ناتجا من هجس الكاتب بالكتابة. كان فرانز محبوبا من زملائه ومقدّرا من رؤسائه، وكان يُظهر في مزاولة عمله شغفاً وحماسة وتفانيا لا تتطابق مع شكواه الدائمة منه. لم يكن كافكا إذن ضحية الوظيفة بقدر ما كانت الوظيفة مجرد عائق مزعج أمام ترف لطالما حلم به كل كاتب. ترف يجدر أن يكون حقا، وهو تكريس كامل الوقت للكتابة. ويتقاسم كافكا هذه الميزة مع عدد كبير من زملائه المبدعين الذين علقوا في دوامة "المعاناة الوظيفية"، على غرار الايطالي إيتالو سفيفو واليوناني قسطنطين كفافيس أو البرتغالي فرناندو بيسوا. ويتقاسمها أيضاً وخاصة مع عدد كبير من كتّاب عالمنا العربي، حيث من النادر ان يعيش الكاتب من عرق كتابته، كما هي الحال في الغرب، بل غالبا ما يضطر الى مزاولة أعمال موازية لها.
لهذا السبب، وحتى إذا كان كافكا يؤكد وجود فاصل نهائي بين مورد الرزق والأدب، وحتى لو كنا نصدّقه حين يزعم انه عانى الأمرين من جراء متطلبات الوظيفة، إلا أن خياله لم يخضع لتلك المتطلبات ولا استسلم لجبروت قيودها. فالمكاتب الكئيبة وقاعات الاجتماع المكتظة وغرف المصانع الصاخبة وجبال الملفات المهملة حضرت كلها في أعماله، ومثلها صوت اندلاع الماكينات المفترسة وبلادة الموظفين الكسالى وتجهّم العمال التعساء. جميع هؤلاء وجدوا لأنفسهم طريقا الى قلمه، يدعمهم في ذلك ميله الشديد الى ميدان التقنيات، وهو ميل يتضح لنا عندما نطالع رسائله الى صديقته ميلينا أو الى فيليس باور التي كانت تعمل في شركة للهاتف. وهذا الفضول حيال التفاصيل الحية، والاندفاع نحو تحويل الحياة ميدان تجارب، يمكن رصدهما في كل كتاباته تقريبا.
ان النزاع بين الكاتب والموظف هو إذن النواة الجوهرية التي تدور حولها أعمال كافكا. فبسبب هذا النزاع تحديداً يفسح كافكا في كتاباته للتعبير عن مشاعر يمكن وصفها بالميكروسكوبية. أليس كاتب "المسخ" هو القائل: "تاريخ العالم كامن في غرف المنازل. ليس من الضروري ان تخرج من بيتك. إلزم كرسيك واصغ. كلا، لا تصغ، إنتظر فحسب. كلا، لا تنتظر، يكفي ان تكون صامتا ووحيدا، إذ سيجيء العالم ليرتمي عند قدميك ويرجوك ان تخلع له أقنعته. لا يسعه ان يفعل غير ذلك. سوف يتلوى منتشياً أمامك". كان كافكا مقتنعا بأن تاريخ العالم مرتبط بما يحصل في روح إنسانية واحدة، وبأن شحنة الحياة كامنة، لا في تراكم التجارب العظيمة والاستثنائية، بل على العكس من ذلك في عيش التجارب البسيطة والعادية، تلك التي يصفها بعض المتعالين بـ"التافهة" ويغضّون النظر عنها. لذا غاص الكاتب في وحول التجربة الإنسانية حتى أدرك ذرتها الصغرى، ذرتها الاولى، أي المنبع أو الأصل. دربه لم تكن صعوداً بل حفراً في الأعماق، حفراً دؤوبا حتى "أندر غراوند" اللغة والإنسان، لتحلّ الصرخة مكان الكلمة، والصفير مكان الهمس، والتأتأة مكان البلاغة الخطابية. النجومية لا تكمن في الشمولي لدى كافكا بل في الحميم، وليس الذاتي ما يختصر العام، بل هما الخاص والفردي اللذان يتضخمان حتى يصيران عالما عاما في ذاته. وليست الأنا لديه استبطاناً بل انعكاس، لذلك فإن هدفه لم يكن ان يرتقي بل ان ينبش، ان ينقب، ان يهرب الى أسفل، نحو ذاك الهجين الحيواني والبدائي الغامض الذي يشكل قاعدة الغرائز الإنسانية. أي أن حركة قلمه هي مثل نزول نحو سلطان الظلمات، نحو أمكنة العناق الملتبسة، وهي الأمكنة التي يشكل استكشافها علامة فارقة لدى الكتّاب الكبار.
"الكاتب يجب أن يكون الفأس التي تكسر بحر الجليد فينا"، يقول كافكا. فلتقرّ عين الموظف والكاتب معاً. ليس أفضل من الفأس نصف بها كتابتهما.

النهار- الخميس 6 أيار 2004
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alkarar.annuaire-forums.com
المحرر
Admin


عدد الرسائل : 20
العمر : 39
تاريخ التسجيل : 04/05/2007

مُساهمةموضوع: رد: Franz Kafka, فرانز كافكا   الخميس نوفمبر 15, 2007 10:36 am

رسالة إلى فيليس
بقلم : فرانز كافكا
ترجمة : ثورة الرزوق

أعتقد أن الشهرة التي وصل إليها كافكا بعد موته ليس لأن صديقه ماكس برود حمل الأمانة و خان الوصية ( اقرأ عن ذلك كتاب خيانة الوصايا لميلان كونديرا ) ، فلم يحرق مخطوطاته كما أشار عليه ، بل نشرها ؛ و لكن لأنه كان على قدر من الأصالة فيما يخص الوضع البشري.
إن قصصه القصيرة جدا هي في الأصل مقتطفات من رواياته و قصصه المطولة التي لم يتمكن من نشرها في حياته . و رسائله و يومياته تلقي الضوء على هذه المعضلة ، و على قلقه من النساء و الروتين و مصاعب الحياة الشاقة التي كان يحيا بها في براغ مع شقيقته أو وحده. من رسائله تعلم كم كان بيته ضيقا على الحياة الواسعة ، كما هي وظيفته كئيبة بالنسبة لكاتب و مبدع.
و قد كان في هذا الضياع يتخبط بين طرق الخلاص : التطهر الإيماني بالعذاب و التعبير الإبداعي لتجاوز هذه المرحلة. و هنا نموذج عن رسائله التي تصف حقيقة العلاقة بين العذاب و البحث عن نافذة إلى سعادة تبدو أحيانا مستحيلة.
مصدر الترجمة هو :
Letters to Felice , by : Franz Kafka, penguin Modern Classics, 1978, England.

ثورة الرزوق




الرسالة :

16 كانون الأول 1912

لم تصلني رسالة ، أيتها العزيزة ، لا في الساعة الثامنة ، و لا حينما وصل الوقت إلى الساعة العاشرة . لا بد أنك مرهقة من الرقص ، و من حفلة ما بعد الظهيرة . لم أحصل منك ، حتى ، على بطاقة بريدية. حسنا ، ما من سبب للشكوى ؛ لقد بلغتني رسالتان ، كلتاهما بالأمس و قبل الأمس ، و من بمقدوره أن يختار بين احتمالين صعبين من النوع الذي يدفعك إلى القول : الأفضل أن أتلقى رسالة يوميا من محبوبتي لا رسالتين في يوم واحد ثم لا شيء في اليوم اللاحق . و لكن إن ما يبهج القلب تماما ، هي ساعة وصول الرسالة اليومية ، هذه الساعة تأتي معها المسرة ، الثقة ، الانشراح ، و انزياح المفاجآت المزعجة عن الطريق.
عزيزتي ، حقا لا أعتقد أن شيئا ضارا وقع لك ، و إلا في هذه الحالة عليك أن تكتبي لي على وجه السرعة ، و لكن ، وحدي خلف الطاولة ، التي تتحمل عبء الآلة الطابعة ، و المراجعين الذين تفيض عليهم هموم ذواتهم ، و الموظفين الذين لديهم كثير من التساؤلات ، كيف لي أنا ، بحضور كل هذه الأنماط من الناس ، التوصل إلى خاتمة الموضوع : في برلين البعيدة أنت تعيشين حياة ليست مستقرة من نواحي الطمأنينة و السعادة!. ربما حركت والدتك بالأمس أشجانك ، ربما آلمك رأسك أو ضرسك ، ربما هدك التعب ، و علاوة على كل ذلك ليس لدي علم اليقين عن أحوالك ، إن الشك يعصف برأسي مثل زوبعة.
وداعا يا عزيزتي ، من الآن فصاعدا سوف أكتب لك رسالة واحدة يوميا ، على الأقل إلى أن أحرز تقدما في عملي. و إلى أن يحدث ذلك ، سوف تكون رسائلي أكثر كآبة ، و واحدة فحسب في اليوم. و إن لم تقري بذلك أمام نفسك ، ففي هذا القدر كفاية.
وداعا يا عزيزتي . تبدو لي هذه الكلمة و كأنها تلقي بقعة ضوء مفاجئة على الورقة!. ما من حادث مؤسف سوف يحيق بك ، و أنا على ثقة من ذلك.

المخلص

فرانز




ترجمة : ثورة الرزوق
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alkarar.annuaire-forums.com
المحرر
Admin


عدد الرسائل : 20
العمر : 39
تاريخ التسجيل : 04/05/2007

مُساهمةموضوع: رد: Franz Kafka, فرانز كافكا   الخميس نوفمبر 15, 2007 10:37 am

أبناء كافكا ...







من يكون ك؟ وماذا يربط بورخيس ورولفو بكالفينو وموراكامي؟ ... هؤلاء أبناء كافكا... يجمعهم أسلوب متين ونظرة خيالية الى العالم الواقعي

عاش كافكا حياة قصيرة. لم يُعطَ إلا 41 عاماً على هذه الأرض. لو لم يأكل السلّ رئته وزلعومه هل كان يكتب أكثر؟ قطع فرانز كافكا الحرب العالمية الأولى حياً. مات سنة 1924 في مصحٍ خارج فيينا. لم يتزوج. لم يترك سلالة. هل ترك سلالة؟

لم يبلغ كافكا الحرب العالمية الثانية. لو بلغها هل كان يقطعها حياً؟ أخواته انتهين في معتقلات إبادة. معظم الأصدقاء أيضاً. حافظ إرثه ماكس برود فرّ من الموت. برود محظوظ. غيره لم يكن محظوظاً. خنق السلّ كافكا. لم يخنقه الغاز. لو بلغ نهاية الحرب العالمية الثانية سليم البدن هل كان يكتب أكثر؟ انتهت الحرب العالمية الثانية بكابوس نووي. بعد ان تلاشت سحابة الفطر العملاق بان العالم فقيراً، أسود، مهدماً. توالت الأيام فبانت الشمس وسطع الهواء ورجع الربيع الأخضر. هذه حياتنا. الكارثة لا تدوم. كافكا فكر في هذه الأشياء وهو يطلب جرعة ماء ويعجز عن شربها. مات ولم يبلغ الشيخوخة. مات ولم يترك سلالة. هل ترك سلالة؟ ماذا أعطى كافكا هذا العالم؟

قراء كافكا ماذا يأخذون من كافكا؟ هل يعطيهم شيئاً؟ إذا أردت أن تعرف كافكا لا تذهب الى «المحكمة» ولا تذهب الى «القصر» ولا تذهب الى «أميركا». صحيح أنك تسمع عن هذه الروايات كلما سمعت عن كافكا، لكن هذه الروايات ليست كافكا. انها جزء منه، بلى، لكنها ليست كافكا. إذا أردت أن تقرأ كافكا عليك أن تبدأ من مكان آخر: اذهبْ الى يومياته، اذهبْ الى قصصه ونصوصه غير الطويلة. هذه بداية مباركة. بينما تقرأ كافكا تكتشف انك تعرفه من قبل. تعرفه ولا تعرفه. هل تعرفه؟ كافكا ترك سلالة تمتد وتمتد وتجاوز أيامنا. «مكتبة بابل» (قصة خورخيه لويس بورخيس) هل كانت توجد في هذا العالم لو لم يكتب كافكا؟ «نهاية العالم وبلاد العجائب» (رواية هاروكي موراكامي) هل كانت توجد في هذا العالم لو لم يكتب كافكا؟ «بيدرو بارامو»(رواية خوان رولفو) هل كانت توجد في هذا العالم لو لم يكتب كافكا؟ «حمامة» (رواية باتريك ساسكند) هل كانت توجد في هذا العالم لو لم يكتب كافكا؟ «جرذ» (رواية أندريه زانيوسكي) هل كانت توجد في هذا العالم لو لم يكتب كافكا؟ «حياة مايكل ك. وأزمنته» (رواية ج. م. كويتزي) هل كانت توجد في عالمنا بلا كافكا؟ ماركيز قال انه بدأ يكتب عندما قرأ كافكا. قرأ كافكا فاكتشف ان هذه هي الكتابة إذاً. وبدأ يكتب. ماركيز يصدُق ولا يصدق. في مرة أخرى يبدأ من قراءة رولفو. لا مانع أن يبدأ من «يوميات سنة الطاعون» لدانيال ديفو. هؤلاء الثلاثة من أصدقائه. هل يكون ابناً لهم؟ هل يولد كويتزي من ضلع روبنسون كروزو؟ كيف يكون بورخيس ابناً لكافكا؟ الارجنتيني الأعمى شارب المتّة مات عن 87 عاماً. مات عجوزاً. خلال حياته ذاع صيت روايات أميركا اللاتينية. كان يسمع – بعد أن كفّت عيناه عن القراءة – كان يسمع دائماً ان رواية أميركا اللاتينية خرجت من معطفه. لم يبقَ في أميركا اللاتينية كاتب إلا واعترف بدين بورخيس. مات بورخيس سنة 1986. قبل موته بسنوات قليلة كتب «ذاكرة شكسبير». ليس سهلاً أن تكتب «ذاكرة شكسبير» وقد جاوزت الثمانين. ليس سهلاً. التركيز يضعف بمرور الأعوام. والمخيلة تضعف. لكن «ذاكرة شكسبير» لا ترضخ لقوانين الشيخوخة.

قراءة بورخيس تكشف الترابط بين نصوص الشرق والغرب. تكشف علاقات عميقة بين ما كُتب وما يُكتب وما سيُكتب. عالم الأدب لا يقبل حدوداً. هل يقبل حديث الآباء والأبناء؟ رولفو ليس ابناً لكافكا. كافكا ليس ابناً لتولستوي. ماركيز ليس ابناً لبورخيس. أفضل ان نتكلم عن صداقة. بدلاً من القول «هؤلاء أبناء كافكا» أفضل ان نقول «هؤلاء أصدقاء الرجل»، أصدقاء الشاب المسلول الذي كان كافكا. كان؟ ما زال كافكا بيننا. نقرأه ونراه. اسحاق سنجر قال لفيليب روث ان القدرة الربانية التي أعطتنا كافكا قد تكون أعطتنا عند مطلع القرن العشرين 16 كافكا ولم نسمع إلا بواحد منهم. من دون ماكس برود هل كان يضيع أدب كافكا؟

كيف يحضر كافكا في الأدب المعاصر؟ رواية موراكامي المترجمة أخيراً الى الفرنسية وقبل ذلك الى الانكليزية «كافكا على الشاطئ» تستعيد كافكا ولا تستعيده. على عكس ما تكتبه الصحافة الغربية هذه الأيام فإن موراكامي لا يتألق كعادته في «كافكا على الشاطئ». بات موراكامي اسماً مكرساً. التكريس يمنع الدقة، يأخذنا الى الخطأ. كتب موراكامي في الثمانينات بعض أفضل رواياته واشدها تأثيراً في النفس. «نهاية العالم وبلاد العجائب» (1985) تخطف القارئ. هل تبدأ هذه الرواية من كافكا؟ هل تستعيده؟ وما علاقة كافكا بها؟

كيف نحدد علاقة «مكتبة بابل» – أو «حمامة» أو «جرذ» أو «في انتظار البرابرة» – بأدب كافكا؟ ماذا يجمع هذه الأعمال؟ الأسلوب المتين؟ هذا لا يكفي. القدرة على تحويل الخيالي الى واقعي؟ هذا أيضاً لا يكفي. ما السر الذي يجمع هذه الأعمال؟ ما الذي يجعل هؤلاء أصدقاء: كافكا وبورخيس ورولفو وكالفينو وماركيز وساسكند وكويتزي و...؟ ماذا يجمع هؤلاء؟ يستطيع القارئ ان يضيف اسماء أخرى الى اللائحة. هوميروس مثلاً. شكسبير أيضاً. هذه الاضافة الأخيرة هل تكشف السر؟

انتبه هاملت قبل قرون ان العالم مصنوع من مادة المنامات. اكتشف ان الحد الفاصل بين الواقع والخيال هو حد خيالي. ألم يملأ هذا الاحساس صدر تولستوي وهو يكتب «آنا كارِننا»؟ كيف يكتب روائي إذا لم يملأ قلبه هذا الإحساس؟

هوميروس أنشد «الإلياذة» كحرب واقعية. ألّف النشيد زاعماً أنه ينشد تاريخاً. الإغريقي الأعمى داهية. يكتب الخيالي ويقول هذا هو التاريخ. أليس حصار طروادة تاريخاً؟ وحصان طروادة؟ هذا الأخير – حصان طروادة – غير مذكور في «الإلياذة». تعج الإلياذة بالأحصنة. لكن «حصان طروادة» لا يُذكر فيها. في «الأوذيسة» يُذكر. في «الإلياذة» لا. هل «الإلياذة» تاريخ واقعي لحرب واقعية جرت على حافة البر التركي؟ هل آخيل رجل من لحم ودم وعظم؟ تعاقبت الأعوام والقرون، العظام حالت غباراً، والمدن تساقطت. ما الحقيقي وما الخيالي؟ هل هوميروس حقيقي؟

فتح كافكا في مطلع القرن العشرين باباً. هل نستطيع أن نحدد في أي لحظة بالضبط فتح هذا الباب؟ هل فتح هذا الباب وهو يخط السطر الأول في روايته القصيرة «التحول»؟ ماركيز قال ان هذه الرواية غيّرت حياته الى الأبد. يتكلم ماركيز أحياناً مثل شخصية روائية. هذا أُعطي له. هل فتح كافكا باباً وهو يكتب «التحول»؟ من قبل «التحول» نراه يفتح الأبواب ويوصدها، يفتح الأبواب ويوصدها، يفتحها ويوصدها، هذا دأبه كافكا، فتح الأبواب. حتى وهو نائم يرى باباً يُفتح ويرى مسدساً يدخل من الباب. ما هذه المنامات؟ لم يرَ ابريق ماء مملوءاً أسناناً مكسرة. الإبريق نصفه مملوء بالماء. الماء أغبر اللون، معتكر. وفي الماء ترقد أسنان بشرية. عدد ضخم من الأسنان. ليست أسنان شخص واحد. أسنان على أسنان على أسنان. ما هذه الأسنان؟ من جمعها في هذا الإبريق؟ قبل لحظة كانت عجوز تشرب من هذا الإبريق. كيف شربت منه؟ لم يرَ كافكا هذا المنام. رأى آلة تعذيب. رأى جرحاً في خاصرة رجل يتفتح كزهرة. رأى طبيباً يقطع الأرياف على حصان. رأى سوراً يبنى في الصين. ورأى الهمج يسيطرون على بلدة. هؤلاء «برابرة» كويتزي؟ من قصة كافكا القصيرة «مخطوط قديم» تبدأ «في انتظار البرابرة». لا تبدأ من قصيدة كفافي. تبدأ من كافكا. هل يعرف كويتزي هذا؟ لعله يعرف. ولعله لا يعرف.

فتح كافكا قبل اندلاع الحرب العالمية الأولى باباً. فتح باباً ورأى سهولاً تمتد الى ما لا نهاية ورأى سكة الحديد ورأى محطة كلدا. هل توجد هذه المحطة حقاً في سهوب روسيا؟ ماذا يُغير ذلك! انها موجودة في عالم كافكا. لم يكمل كافكا نصه. نعثر على محطة كلدا في يومياته. محطة كلدا حقيقية أكثر من سهوب روسيا التي تغطي الأطلس. تفتح الأطلس وتنظر الى الخرائط. لا تعثر على كلدا. تغمض عينيك. ها هي كلدا.

فتح كافكا باباً ونظر. عيناه كبيرتان كافكا. وجهه طفولي وعيناه كبيرتان. نظر الى العالم فرآه كما لم يره إلا قلة. رآه شبيهاً بالمنامات. ستيفنسون فعل ذلك في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. الجامعة بن داود فعل ذلك في عصور توراتية سحيقة.

جاء كافكا في مطلع القرن العشرين وكتب سرداً غريباً. كتب عوالم خيالية بأسلوب متين. كتب عوالم خيالية توازي هذا العالم. كتب هذا العالم كما يراه. كتب الخيالي كأنه يكتب خبراً في جريدة. بعبارة صلبة يصف عملية إعدام غريبة. كأنه يخبرك ماذا أكل هذا الصباح. الوجه لا يضحك ولا يبكي. العينان تنظران الى البعيد. والرؤى تتوالى. «بيدرو بارامو» قد تكون بدأت من قصة «الصياد غراتشوس».

رأى كافكا العالم على طريقته. هذا لم يُعط لكثرٍ. كتب في يومياته أنه لا يكتب إلا عن الموت. بورخيس قال انه لا يكتب إلا عن الوقت. أفضل ألا يتكلم الأدباء عن أدبهم. إذا تكلموا أساؤوا الى الأدب. كلامهم لا يهم. المهم الأدب. أفضل ما عندك تكتبه، تكتبه ولا تقوله. اليوميات كلام أيضاً. على حافة الأدب هي، وليست أدباً. هل يُحولها الوقت أدباً؟ كيمياء الأدب غريبة. تتحول الأشياء وأنت تكتبها. تولستوي قال الإلهام لا يأتي إلا بينما تكتب. هذا يشبه «سفر أيوب» والشعر الخارج من الحمى. النار تحرق العظم، الجرثومة تقضم لحم الرئة، والرجل يكتب. يرى نملاً يخرج من لحم فخذه. ينظر الى النمل على فخذه ويحصي النملات. من أين تخرج هذه النمال كلها؟ من نقطة فوق الركبة، من بطن عضلة الفخذ تخرج. البشرة بيضاء تميل الى البنّي، لا، البشرة هنا بيضاء تماماً. هذه مساحة لا تتعرض لنور الشمس إلا فترة الصيف. الآن لونها أبيض. النمل أسود، أسود وأشقر، يسعى على صفحة الفخذ، يتراكض النمل، يتراصف، أسرع فأسرع فأسرع، يخرج النمل متدفقاً من فخذ الرجل، من وكرٍ في اللحم ذاته. الرجل ينظر الى النمل. فقط ينظر. في ما بعد سيكتب عن هذا.




ربيع جابر / الحياة - 07/03/06//
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alkarar.annuaire-forums.com
المحرر
Admin


عدد الرسائل : 20
العمر : 39
تاريخ التسجيل : 04/05/2007

مُساهمةموضوع: رد: Franz Kafka, فرانز كافكا   الخميس نوفمبر 15, 2007 10:37 am

«ك» لروبرتو كلاسو: أدب كافكا ونعمة التأويل



ربما يكون الروائي التشيكي فرانز كافكا محظوظاً بذلك الحشد المتعدد الذي درس اعماله، وربما يكون هذا الحشد من النقاد محظوظاً لأنه عثر على اديب تتيح اعماله تأويلات عدة.
فبعد ان كتب فالتر بنيامين دراسة وجيزة عن كافكا، عقد جورج لوكاتش، في كتابه «دلالة الواقعية النقدية اليوم»، مقارنة بينه وبين توماس، اعقبه الفرنسي روجيه غارودي بمداخلة، حظيت بالشهرة حينها في كتابه «واقعية بلا ضفاف». بعد هؤلاء الماركسيين الثلاثة طبقت مارت روبير على الروائي التشيكي منهج فرويد في اكثر من دراسة أهمها ما جاء في كتابها «اصول الرواية ورواية الاصول»، وصولاً الى الايطالي ماسيمو كاتشياري الذي انجز عنه قراءة فلسفية في «ايقونات القانون»، ادرج فيها اشياء من الفلسفة اليهودية. هذا اضافة الى مقاربة الفرنسي جورج بتاي، التي جاءت في كتابه «الادب والشر»، مساوية بين الكتابة و «أرض الميعاد». بدا كافكا، في هذه الدراسات جميعاً، نصاً مفتوحاً متعدد المستويات، يحيل على الموت والحداثة الاوروبية الخائبة والاغتراب الوجودي وعلى طفل قلق مضطرب الطفولة يصفي حسابه مع والده بمعادلات روائية.

كان لوكاتش قد رأى في مجازات «المحاكمة» و «القصر»، روايتي كافكا الاكثر شهرة، تعبيراً عن العدم، اذ في الوجود قوة فاسدة مستبدة، غائمة المكان وملتبسة الوجود، ولا يعرف أحد الطريق المؤدي اليها. لم يثن الناقد الهنغاري على ما قرأ، بل رأى فيه اغتراباً مريضاً يكتفي باللواذ ويبشر بالموت.

في كتابه الصادر حديثاً باللغة الفرنسية بعنوان «كاف. K» (غاليمار 2005) يبدأ الناقد الايطالي روبرتو كلاسو بما بدأ به لوكاتش، دون ان ينتهي الى ما انتهى اليه، لامحاً وراء التشاؤم الطليق درباً جميلاً يفضي الى فردوس محتجب. كتاب لامع التركيب غريب العنوان، لولا صورة على الغلاف، تعلن ان «كاف» هو كافكا، في انتظار صفحات الكتاب التي تعلن ان «كاف» هو بطل الروايتين، اللتين نقض لوكاتش تشاؤمهما العابق بارادة توماس مان المزهرة. والامر في الحالات جميعاً قائم في فك اسرار الحرف الغامض «كاف»، الذي قاد كافكا وهو ينقب عن معنى الوجود، كما لو كان الروائي قد التقى بحرف راشد ومرشد يرشده في رحلة معتمة تنفتح على نور. لن يكون عمل الناقد الايطالي، والحال هذه، الا التعرف على الحرف الذي آنس كافكا في رحلته الروائية مدللاً، بوضوح وغموض في آن، ان في معنى الحرف ما يحيل على الحجب والستر والاخفاء، وأن دور النقد انطاق الحرف الغامض ونزع اقمطته المتعاقبة.

معنى وراء الحرف وواقع وراء الواقع ونص وراء النص، وما يرى لا خير فيه، لأن جوهر المعنى قائم في هذا «الوراء». كان كافكا قد كتب عام 1914 روايته «المحاكمة» وأعطى الشخصية الاساسية فيها اسماً هو «جوزف . K» بعد ثمانية اعوام استعاد الشخصية من جديد في روايته «القصر»، حاذفاً اسم جوزف ومكتفياً بـ «كاف».

لم يكن مصير الشخصيتين متماثلاً، فقد حُكم بالاعدام على الاول منهما، وذلك في محكمة متجهمة غامضة مغلقة النوافذ، بينما بقي الثاني يدور تائهاً حول مبنى متواضع، باحثاً عن عمل لن يعثر عليه. والسؤال هو: كيف استقدم كافكا الى روايته الثانية شخصية روايته الاولى التي حكم عليها بالموت وواراها التراب؟ وهل الموت يحسم نصف الشخصية «جوزف» ويترك النصف الآخر «كاف» حياً بين الأحياء؟ كان كافكا في الروايتين قد جرّد الواقع من تفاصيله، منشئاً واقعاً هندسياً بارداً، يتحرك فيه بشر أقرب الى الأرقام، وكان قد وضع في الروايتين ايضاً محكمة متجهمة الوجوه، تقضي بالموت حيناً وتقصي «كاف» عن الجماعة المختارة حيناً آخر. لن يكون «كاف»، كما يرى كلاسو، الا رقماً غامضاً لا يستعصي حله، او اشارة جبرية تشير الى ما يتحول ويتبدل ولا ينتهي. ولهذا يغيب جوزف كاف في «المحاكمة» ويعود «كاف» من جديد في «القصر» كما لو كانت المحاكمة قد اعدمت جزءاً من الرجل، دون ان تستطيع ان تعدمه كاملاً. يتكشف في هذا الاعدام الجزئي امران: أمر يذيع التفاؤل مبيناً ان الانسان المتهم تفادى ضربة المحكمة اللئيمة، وأمر اخلاقي يقضي على المتهم الناجي ان يقاضي المحكمة الظالمة وأن يعيد ترتيب العالم.

كان على «كاف» الناجي، كما يرى الناقد الايطالي، ان يواجه عالماً واسعاً في غموضه وغامضاً في اتساعه، ينطوي على وجود مدثر بالاسرار وعلى حياة اجتماعية مملوءة بالقهر والاغتراب. يتوحد الاجتماعي والكوني منتهيين الى كتلة صماء لا سبيل الى السيطرة عليها. ولعل هذه الوحدة الكتيمة القاهرة هي التي جعلت كافكا يتخفف من التفاصيل اليومية، مؤسطراً الواقع او واضعاً في اسطورة «كاف» (اسم اله في الفلسفة الهندية) أبعاداً واقعية. وما دور الاسطرة الا تحرير الواقع، ان كان واقعاً، من اسر الزمان والمكان، واستعادة تاريخ كالح لا تاريخ فيه، حيث التاريخ «ممر من عالم الى آخر، ومن نظام الى آخر، ومن ركام الى آخر. انه تاريخ هشاشة النظام: النظام القديم والنظام الجديد. تاريخ اطلالهما المتأبدة».

من أين يأتي التفاؤل ان كان التاريخ كله حطاماً متجدداً؟ يأتي عند روبرتو كلاسو من نعمة القياس. فاذا كان في رواية «المحكمة» جحيم يقضي بالموت، فإن في رواية «القصر» مطهراً، يتلوه فردوس قادم ولا يرى. طبق الناقد الايطالي على كافكا اشياء من الفلسفات الهندية ومن عمل دانتي: «الكوميديا الالهية»، اضافة الى عناصر من الاسطورة، ذلك أنه باحث ممتاز في الادب والاديان والاساطير معاً. لا غرابة ان ينهي بحثه مشدداً على «نعمة الحب»، التي اثنى عليها كافكا، والتي تسعف «الرقم الانساني» على تفادي ضربة مهلكة. يوطد كلاسو المعنى الذي وصل اليه بالرجوع الى شذرات كتبها كافكا عام 1917، نشرها ماكس برود لاحقاً تحت عنوان: «ملاحظات حول الخطيئة، الألم، والامل والطريق القديم». والسؤال السريع: لماذا كل هذه الدورة المرهقة للبرهنة على قول لا يحتاج الى برهان؟ من اللافت ان جورج بتاي، كما ماسيمو كاتشياري، قد توقف امام الوعي الاسيان الكافكاوي، الذي رأى الى انسان يصل الى «ارض الميعاد» ويموت، معوضاً الرحلة بلقاء وجيز ومواجهاً قصر حياة الانسان بوعد جميل شحيح.

في 400 صفحة يقدم روبرتو كلاسو دراسة متأنقة لا تنقصها الصعوبة ولا الاسلوب الصقيل ولا المعارف الغزيرة. انه عمل الموسوعي المغتبط، الذي يبهر ويفتن ولا يأتي بجديد نوعي. فما جاء به قال به بصوت مهموس جورج بتاي، تاركاً القارئ يصل الى ما يريد ان يصل اليه. ومع ان مارت روبير أخذت في كتابها «رواية الاصول واصول الرواية»، وله ترجمة ممتازة بالعربية منذ زمن، بمقاربة اخرى، فقد قدمت، وهي تقرأ كافكا على ضوء سيرته الذاتية، العمل الاكثر دقة واحكاماً عن الروائي التشيكي. ان كان في عمل كلاسو ما يثير الفضول فهو الحوار المدهش، صريحاً كان أو مضمراً، بين نقاد مختلفين ينتمون الى مدارس فكرية مختلفة. انها بهجة الاختلاف العارف الدؤوب، التي لم تعثر على تربة موائمة لها في «اقفاص» العالم العربي الواسع.




فيصل دراج الحياة - 07/03/06//
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alkarar.annuaire-forums.com
المحرر
Admin


عدد الرسائل : 20
العمر : 39
تاريخ التسجيل : 04/05/2007

مُساهمةموضوع: رد: Franz Kafka, فرانز كافكا   الخميس نوفمبر 15, 2007 10:38 am

فرانز كافكا..التباس الانتماءكافكا.. التباس ال.......



نصر الدين البحرة :



في ملحق الثورة الثقافي رقم 374 تاريخ 9/8/2005 نشرت دراسة بعنوان «فرانز كافكا في ذكرى ولادته ووفاته»،

اشارت الى الاختلاف حول انتماء هذا الكاتب« فمنهم من رأى فيه نبياً، ومنهم من رأى فيه ملهماً ،ومنهم من حاول ان يسبر أغوار نفسيته،ولكن كافكا الحقيقي أعظم وأميز وأعمق من رؤى هذه المدارس والاتجاهات التي حاولت ان تنسبه اليها.‏

وكذلك الحال في ما يخص الانتماء القومي لأدبه، فهو ليس يهودياً وليس تشيكياً ولا المانياً، فقد كان كافكا نمساوياً.» وبصرف النظر عن خلط كاتب الدراسة بين الانتماء الديني والانتماء القومي«هو ليس يهودياً وليس تشيكياً» فما أود الوقوف عنده في هذه المداخلة، أن كافكا كان بالتحديد يهودياً متعصباً ليهوديته وصهيونيته معاً. يعرض كتاب صدر في دمشق بعنوان «اليهود في المانيا»-طبعة خاصة- اسماء عدد من المشاهير اليهود في مختلف مجالات الابداع امثال: جاك اوفنباخ(الموسيقي) وهايزيش هايني(الشاعر) وتسيغموند فرويد(عالم النفس المعروف) وفيليكس منديلسون(الموسيقي) وغوستاف مالير- ويقال: ماهلر-(الموسيقي) وهايزيش هيرتز(الفيزيائي).. الخ وهناك سواهم من مشاهير اليهود في الشرق والغرب،امثال الكاتبين الروسيين: ايليا اهرنبورغ وبوريس باسترناك- والسينمائي الروسي:سيرغي ايزنشتاين. والمسرحي الأميركي آرثر ميلر.. والمفكر الفرنسي: مكسيم رورنسون.. الخ ان احداً لم يتوقف امام اي من هؤلاء المبدعين، في قليل او كثير، كيهودي في ذاته، لأن الدين شيء خاص بالانسان، ولكن الامر كان لابد ان يختلف، لو ان احدهم، فعل ما فعله«حاييم وايزمن» الكيميائي روسي الاصل الذي بذل جهوداً معروفة في الحصول على «وعد بلفور»وتأسيس دولة اسرائيل.وهذا ما اصر العالم اليهودي الكبير اينشتاين على ان يتجنبه حين عرضت عليه رئاسة دولة اسرائيل، على الرغم من انه لم يكن بعيدا تماما عن التعاطف مع اليهود. كافكا-اليهودي الصهيوني فرانز كافكا الكاتب التشيكي الذي يكتب بالالمانية (3881-4291),هو على شاكلة (وايزمن),لكن على صعيد الادب، ذلك اليهودي- الصهيوني الذي وظف كثيراً من أعماله الادبية الهامة في خدمة القضية اليهودية -الصهيونية. ومن عجب-او..من دون عجب-ان المؤسsة الصهيونية، المسيطرة على جزء كبير من الجسد الاعلامي في العالم,تتولى بين وقت وآخر الترويج لكافكا، على نحو يحسده عليه كتاب كبار لو قاموا من قبورهم عنيت:هوغو ودوستويفسكي وهمنغواي وديكنز، وتشيخوف.. بل.. حتى راسين وموليير.. ففي صيف عام 3891 بمناسبة مرور مئة عام على ميلاد كافكا، اقيمت احتفالات باذخة في عدد من العواصم العالمية: لندن، باريس،فيينا.. براغ حيث ولد في 3تموز 3881.. اضافة الى مدن اخرى. فهل كان كافكا اهم من دوستويفسكي الذي كان المفكر الراحل انطون مقدسي يرى انه اعظم روائي عرفه التاريخ، وهل يفضل همنغواي وديكنز وبوشكين وتورغنييف.. الخ؟! ثمة مجالات كثيرة، تم فيها الاحتفاء بكافكا.. حتى في وطننا العربي، يضيق المجال عن ذكرها,وقد أشرت اليها في كتابي«نفسية اليهودي في التاريخ» صديق كافكا يتحدث عنه مهما يكن من امر، فإن الشاعر العراقي الكبير سعدي يوسف، نشر عام 2791 في العدد 7 من مجلة «أقلام»العراقية المحتجبة دراسة بعنوان «فرانز كافكا صهيونياً: نصوص من يانوش». وغوستاف يانوش هذا، كان صديق كافكا وزميله في شركة التأمينات التي كان الاثنان يعملان فيها, وبعد وفاة صديقه -أي: كافكار نشر يانوش كتاباً عنوانه «أحاديث مع كافكا ترجم الى عدة لغات,يقول يانوش أرى أن كافكا كان مؤمناً بآراء الحاخام في هيرش كاليتشر الذي اقتفى هرتزل أثره والقائلة: إن خلاص اليهود لن يكون على يدي المسيح المنتظر, بل «جميع اليهود المشردين في الارض المقدسة». .. وينقل روجيه غارودي في كتابه «واقعية بلا ضفاف» الفصل المكرس لكافكا كلاماً على لسان كافكا نفسه: لقد أصبحت مواطناً في عالم آخر غير عالم أبي لابد ان يكون أرض كنعان, أرض الامل الوحيدة بالنسبة إلي, لانه لاتوجد أرض ثالثة للبشر ويؤكد هذه الفكرة النص الذي يورده سعدي يوسف على لسان كافكا في حديث مع يانوش, وفيه يقول بكل وضوح: «لم يعد اليهود اليوم راضين بالتاريخ إنهم يتطلعون الى وطن متواضع اعتيادي في هذا الكون ان عدداً من اليهود الشبان يعودون الى فلسطين انها عودة المرء الى نفسه, الى جذوره الى انتمائه ان الوطن القومي في فلسطين, هو بالنسبة الى اليهود هدف ضروري» خرافة الشعب المختار ويوضح سعدي يوسف ان كافكا كان مقتنعاً حتى بخرافة الشعب المختار مؤمناً ان اليهود أسمى من غيرهم, فقد سأل يانوش كافكا عن معنى دياسبورا diaspora ومعناها المباشر اليهود المشتتون بعد السبي البابلي 685ق.م فقال: «إنها تعني تشتت الشعب اليهودي ان الشعب اليهودي مشتت كالبذور. وكما تمتص بذرة القمح الاشياء من حولها وتكتنزها, وتحقيق نماء أكثر فكذلك كتب على اليهود: أن يمتصوا كفاءات البشر ويطهروها..» عام 4691 ظهرت في سلسلة كتب «بنغوين» مذكرات فرانزكافكا وقد جمعها الكاتب الصهيوني الذي كان مقيماً في فلسطين المحتلة: ماكس برود. يتحدث كافكا في هذه المذكرات عن فرقة تمثيل يهودية قامت في تشيكوسلوفاكيا وقد ساعد كافكا في تنظيم رحلات سياحية لهذه الفرقة الى معظم القرى في اقليم بوهيميا وهو يقول في الصفحة 371 ما يلي عن هذه الفرقة: «وأخيراً فقد أمضيت فترة طويلة مع الممثلين اليهود الذين تولدت لديهم القناعة بالجمعية الصهيونية بعد إلحاح شديد. كنت أكتب لهم الرسائل التي يطلبون فيها من الجمعيات الاخرى، ان كانوا يرغبون في مشاهدة العروض المسرحية لأولئك الممثلين. ويدرس اللغة العبرية ويذكر غارودي ان كافكا ,كان يواظب على دراسة اللغة العبرية , حتى آخر أيامه بكل جدية. وقد بدأهذه الدراسة عام 7191 حين قابل «دوراديامنت» اليهودية البولونية على بحر البلطيق. وفي تحليله علاقة كافكا بالديانة اليهودية يقول غارودي:«كان كافكا يبحث بشوق عارم عن التأصل في الحياة, وعن الارتباط بجماعة اجتماعية و روحية. كان ينتمي بوصفه يهودياً إلى شعب مختار » واليهودية تمثل في آن واحد, جماعة اجتماعية ودينية , فاليهودية ليست مسألة إيمان بعقيدة , ولكن تجربة حيوية عاشتها جماعة تكيفت وفقاً لهذه العقيدة » ويقول غارودي أيضاً: «كان كافكا يشعر أنه اجنبي في براغ مسقط رأسه. كان معزولاً عن الأهالي المتكلمين بالألمانية , لكونه يهودياً, كما كان منفصلاً عن الشعب بوصفه ابناً لأحد كبار التجار.». غموض أدب كافكا مهما يكن من أمر , فلدى انتقالنا إلى الحديث عن أعمال كافكا الأدبية,فلاشك أن ضباب الغموض والترميز فيها , قد ساعدالنقاد, ولاسيما اليهود منهم ذوو النزعة الصهيونية على تقليب وجهات النظر وتقديم التفسيرات المختلفة لأعماله الأدبية ونوازعه النفسية. من هو «جوزيف.ك» في رواية كافكا «المحاكمة» والتي تترجم أيضاً: «القضية» ؟ إنه هو اليهودي المعزول الفيتو GHETTO - - الحي اليهودي المغلق - وليس هو إنسان عصر الرأسمالية المسحوق في أوربا الصناعية البورجوازية. ربما كان بعض اليهود بروليتاريين PROLTARIAN وهناك حركات يهودية وضعت لنفسها لافتة اشتراكية , غير أنها في اللحظات الحاسمة أماطت اللثام وأسفرت عن وجه يهودي صهيوني بشع. في دار الحاخامية وفي العودة إلى «المحاكمة» يرى تشارلز أوزبورن في كتابه «كافكا» الذي ترجمه مجاهد عبد المنعم مجاهد عام 7691 أن هذه الرواية تسعى إلى كشف حالة الفساد في دار الحاخانية التي هي سليلة «السنهدرين» أي المجمع الديني الأعلى عند اليهود. وقد استعاد كافكا وضع هذا المجمع للنظر في قضية شخص يهودي في الغيتو هو جوزيف.ك ولم تكن المحكمة محكمة مدنية بل دينية. يقول غارودي: إن هذه المحاكمة التي هي عبارة عن شبح ظهر في الليل, ليست سوى إدراك للانتصار المحقق ضد الشبح. ومن هنا فهي تأكيد للانتصار على شبح السلطة الحاخامية . رموز كافكا الصهيونية يرى كاظم سعد الدين في دراسة له نشرت في مجلة (أقلام) العراقية العدد 9 عام 9791 أن معظم قصص كافكا تدور حول رموز يهودية.. صهيونية.. و هكذا هي قصة (القلعة) التي ترمز إلى الحياة الدنيا لليهود لايجاد نوع من العلاقة الجيدة بينها و بين السلطة اليهودية. و تتضمن قصة (المسخ) نقدا حادا لحياة اليهودي في (المنفى) و يصف كاظم سعد الدين قصة كافكا «بنات آوى و عرب» بأنها واضحة جدا في هدفها فالجمل فيها رمز لفلسطين و بنات آوى هن اليهود. و المسافر الأوروبي هو الاستعمار البريطاني قبل وعد بلفور و بعده و شيخ العرب و العرب الآخرون: الانظمة العربية الفاسدة التي تتعاون من أجل جعل الجمل ينفق ثم يسهلون الأمر لبنات آوى علما أن العرب يملكون بنادق لكنهم لا يستعملونها لأن الأوروبي يمسك يد الشيخ رمز إلى لم شتات اليهود. أما قصة «أحد عشر ابنا» فهي واضحة الاشارة من عنوانها بادىء ذي بدء و هذا ما انتبه إليه «أوزبورن» الذي قال إنها ترمز إلى لم شتات اليهود المتفرقين في العالم و أوضح أنها مقتبسة من قصة الأسباط و هم أبناء يعقوب الذي هو إسرائيل نفسه. و تذكرنا أيضا بقصة يوسف و إخوته الأحد عشر فهي - القصة 0 كأنها تقول: اجتمعوا يا أبناء الأسرة الواحدة. وفي قصة «تجنيد القوات» دعوة صريحة لليهود لتجنيد أنفسهم رغم أن الاحداث تدور في الصين كما يقول (أوزبورن) أيضا,وبعد فلا بد من القول: أن هذا غيض من فيض ذاك أن كتابات كافكا في كثير منها على هذا النحو أو ذلك مكرسة لشرح القضايا اليهودية و الدعوة إلى «العودة» و «لم الشتات» في واحدة من أفضل صيغ الطروح الصهيونية إذ إنها تتم من خلال إرقى أشكال التعبير البشري: الأدب و هذا ما انتهى إليه غارودي في كتابه «واقعية بلا ضفاف» فقد قال: إن عالم كافكا الداخلي شكلته العقيدة اليهودية و قراءاته المستمرة لباسكال و ليون بلوم و دوستويفسكي و كيركغارد و خاصة التوراة و دراسته للغة العبرية و التلمود و شغفه بالمسرح الديني اليهودي.‏
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alkarar.annuaire-forums.com
المحرر
Admin


عدد الرسائل : 20
العمر : 39
تاريخ التسجيل : 04/05/2007

مُساهمةموضوع: رد: Franz Kafka, فرانز كافكا   الخميس نوفمبر 15, 2007 10:38 am

رسائل فرانز كافكا الأخيرة (1)


بقلم : جودت هوشيار
حين توفي فرانز كافكا في عام 1924 لم يكن قد نشر من نتاجاته سوى بضع مجموعات صغيرة من القصص القصيرة أما رواياته وقصصه الطويلة ( وكذلك قصصه القصيرة التي لم تنشر خلال حياته ) ويومياته ورسائله فقد نشرت تباعا بعد وفاته وقد استغرق نشر مؤلفاته الكاملة حوالىخمسين عاما( 1924 – 1974 ) من الجهد المتواصل لعدد كبير من الباحثين والناشرين . فقد نشرت رواية " المحاكمة " في عام 1925 ورواية " القلعة " في 1926 ورواية " أميركا " في 1927 . ثم صدر مجلد يضم مجموعة كبيرة من قصصه الطويلة والقصيرة الناجزة , سواء تلك التي نشرت خلال حياة الكاتب أو بقيت على شكل مخطوطات ضمن أرشيفه وأعقب ذلك صدور مجلد يضم مسودات قصته الطويلة " وصف معركة " اما بعد الحرب العالمية الثانية فقد تم نشر قصته الطويلة " استعدادات لحفلة زفاف في الريف " مع مجموعة من رسائله ويومياته ومنها رسالته الشهيرة الى والده أما رسائله الى النساء اللواتي لعبن أدوارا" مهمة في حياته فقد صدرت في مجلدات متتابعة ومستقلة كل مجلد يحتوي على رسائله الموجهة الى واحدة منهن .


فقد صدر كتاب " رسائل إلى ميلينا يسينسكايا " في عام 1952 وكتاب " رسائل إلى فيليتس باوار " في عام 1967 وأخيرا" " رسائل إلى اوتلا " في 1974 ويتألف من ( 248 ) صفحة . والكتاب الأخير يحتوي على الرسائل العائلية ومعظمها موجهة إلى شقيقته أوتلا وعدة رسائل الى زوجته ( دورا ) ولا يتضمن الكتاب رسائل كافكا الى شقيقاته الأخريات ويرجح أنها فقدت ولا نجد في الكتاب أي جواب من أجوبة اوتلا على رسائل أخيها ( إن كانت ثمة أصلا" أجوبة" ما ) أي أنها رسائل من جانب واحد وأشبه بالمونولوج الداخلي من طرف واحد بدلا" من الحوار بين المرسل والمتلقي . وعلى الرغم من أن كافكا قد ولد وعاش طوال حياته في العاصمة الجيكية براغ الا أن مؤلفاته جميعها مدونة باللغة الألمانية والتي كانت اللغة الرسمية في البلاد قبل الحرب العالمية الأولى . كان كافكا يتكلم اللغة الجيكية العامية ولكنه كان في أعماق نفسه يشعر بأن اللغة الألمانية أغنى وأرحب وأنه يستطيع التعبير عن نفسه باللغة الألمانية على نحو أعمق وأدق وعلى الرغم من كونه يهوديا" الا انه لم يكن يتكلم العبرية أو يهتم بها ولم يحاول أن يتعلمها فقد كانت اللغة عنده وسيلة تعبير عن النفس في المقام الأول ولم تستهويه قط الأفكار الدينية او القومية الضيقة وكان يتجاهل اى مسعى من هذا القبيل مهما كان مصدره( على النقيض من مزاعم بعض النقاد العرب ومحاولتهم الصاق تهمة الصهيونية بكافكا زورا و بهتانا نتيجةللتأويل الخاطى المتعمد لبعض قصصه مما يدل دلالة قاطعة على انحيازهم الفاضح و مدى سذاجة افكارهم المسبقة وعدم استيعابهم لأدب كافكا وعجزهم عن فهم عالمه الروحى.ولكن هذا موضوع يستحق وقفة اطول و ربما سنكرس له مقالا مستقلا) . ان الرسائل التى كتبها كافكا فى ايامه الأخيرة طافحة بالألم والحزن والأسى العميق وفيها مشاهد و صور نابضة بالحياة و تترك فى نفس القارىء انطباعا قويا وتهز وجدانه و مشاعره لأنها تمس شغاف قلب كل انسان معذب يدرك مأساة الوجود البشرى العابر وقسوة الحياة ورغم ان نتاجات كافكا بأسرها انما هى مشاهد و صور حية تعبر عن الحياة وتعكس الواقع المعاش من خلال رؤيته الفنية الا انها تبدو وكأنها نتاجات ابداعية متكاملة، ذلك لأن حياة أي إنسان – جزء مقتطع من الحياة ولكنه متكامل في حد ذاته . ثم أن كافكا ومهما كان الموضوع الذي يكتب عنه فأنه في حقيقة الأمر يتحدث الى نفسه وعلاقته بالواقع الأجتماعي الذي كان يعيش فيه والشيء الذي لم يكن يعبر عنه حتى النهاية في رواياته وقصصه نجده في مسودات مؤلفاته وفى ويومياته ورسائله ، فقد كان المحور الوحيد الذي تدور حوله أفكاره وأحاسيسه هو المصير المأساوي للكاتب نفسه بكل مافيه من معاناة وتوتر نفسي وعذاب وألم . وهذا المصير هو الذي يوحد على نحو متكامل كل ما يسرده الكاتب في موضوع واحد كبير هو اغتراب الأنسان في مجتمع تعج بالمتناقضات والمفارقات الحياتية . لم يكن إغتراب كافكا إغترابا طبقيا" حسب المفهوم الماركسي أي إغتراب العامل عن قوى الأنتاج ووسائله وعلاقاته بسبب عدم حصوله الا على جزء هامشي من ثمار عمله وجهده ذلك لأن الأغتراب الكافكوى اغتراب روحى عميق الغور لا يفارقه الا فى بعض اللحظات القصيرة البهيجة وكانت مثل هذه اللحظات نادرة فى حياة كافكا . لم يكن بوسع كافكا أن يكون جزءا" من آلة يتحكم فيها زمرة من النفعين والوصوليين والأنتهازيين الذين هم على استعداد دائما أن يفعلوا أي شيء من أجل الحصول على المال والنفوذ السياسى والأجتماعى والتسلل الى مواقع السلطة بطرق ملتوية واستغلالها لمصالحهم الأنانية . هؤلاء الآخرون هم الحجيم – على حد قول كافكا وقد ذهبت كلمات كافكا الدقيقة هذه , مذهب المثل السائر أو القول المأثور-- لم يكن كافكا فيلسوفا" ولا وجود لكلمة " الأغتراب " في مؤلفاته ويومياته ورسائله ولم يستعمله قط في أحاديثه – كما يقول أصدقاؤه المقربون – ولم يحاول أن يدرس هذا المفهوم الفلسفي ولكنه كان انسانا" رائعا" وكاتبا" مبدعا" – وأكاد أقول عظيما" – يدرك إن للأغتراب صورا" وأشكالا" عديدة ولكنها جميعا" معادية للأنسان . ولقد استطاع أن يجسد فنيا" هذا المفهوم على نحو أوضح وأعمق وأشمل من أي فيلسوف وهذا التجسيد ساخر حينا" ومأساوي حينا" آخر ولكنه دقيق دائما" ويكشف كافكا ببصيرته الثاقبة وجرأته الفنية المعهودة النقاب عن وجه البيروقراطية الحاكمة ويركز على تلك الظواهر التي كانت تنخر في جسد المجتمع الجيكي والتي تتكرر أحيانا" كثيرة في أي مجتمع قائم على استغلال الأنسان للأنسان ورسائله الى أخته تضيف ملامح جديدة الى صور المجتمع الجيكي والانساني عموما" التي رسمها عبر نتاجاته الروائية والقصصية .
لم يستطع كافكا قط أن ينسجم مع مجتمع مشوه تسوده العلاقات اللاإنسانية لأن سريرته النقية واعتزازه بالقيم الأخلاقية والكرامة الأنسانية وأمور أخرى كثيرة كانت ترغمه على الأبتعاد عن الوسط الفاسد الذي كان يحيط به وتخلق نوعا" من الأنفصام الروحي بينه وبين الآخرين . كان البيروقراطيون يقولون عنه , أنه إنسان " غير طبيعي " ولكن كافكا علق على هذا الزعم الباطل بسخريته اللاذعة قائلا" :" أن تكون انسانا" ( غير طبيعي ) ليس أسوأ ما في الحياة لأن الناس يعتبرون الحرب العالمية أمرا" طبيعيا". ولقد ظلت هذه التهمة تلاحق الكاتب حتى بعد وفاته بسنوات طويلة وما يزال البعض يعتبر كافكا وأبطال رواياته وقصصه أناسا" غير طبيعين . ولكن ما هي المعايير الطبيعية للمجتمعات المريضة : أنها ضياع القيم الروحية وعبادة المال والتفنن في طرق الحصول عليه مهما كانت ملتوية ووضيعة. لم يكن بوسع كافكا أن يتخلى عن مبادئه وقيمه الأنسانية النبيلة وأن يتسابق مع الناس " الطبيعيين " الذين لاهم لهم في الحياة الا المال وما يوفره من قوة ونفوذ وسلطان .
كانت( ميلينا يسينسكايا ) تفهم كافكا أفضل من اي انسان آخر وكان كافكا بدوره يفتح لها قلبه ويصارحها بكل ما يدور في خلده من أفكار ومشاعر . تقول ميلينا : " هذا الذي يعتبره الناس ( غير طبيعي ) في شخصية فرانز , إنما هو في الواقع أحسن ما يتميز به من فضائل . أنا أدرك أنه يقاو, ليس الحياة ذاتها بل فقط هذا الأسلوب في الحياة . "
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alkarar.annuaire-forums.com
المحرر
Admin


عدد الرسائل : 20
العمر : 39
تاريخ التسجيل : 04/05/2007

مُساهمةموضوع: رد: Franz Kafka, فرانز كافكا   الخميس نوفمبر 15, 2007 10:39 am

رسائل فرانز كافكا الأخيرة (2)


بقلم : جودت هوشيار



وكما يبدو من رسائل كافكا الى أخته فأن والد كافكا لم يفهم ابنه قط . لقد كان – أي والد كافكا – رجلا" مستبدا" وعدوانيا" لم يكن أحد يسلم من لسانه الجارح وسلوكه الخشن . كان من عائلة فقيرة ولكنه استطاع بأستخدام الأساليب ( الطبيعية ) لمجتمعه أن يكون ثروة لابأس بها ولكنه كان أحد أسباب تعاسة إبنه فرانز في الحياة . ويحدثنا الكاتب نفسه في هذه الرسائل وبمرارة وسخرية لاذعتين عن سلوك والده مع الناس والقيم الزائفة التي كان يؤمن بها والرياء الذي كان سائدا" في الوسط الأجتماعي لعائلته . كان كافكا يحمل شهادة الدكتوراه في الحقوق ويعمل موظفا" في شركة تأمين على حياة العمال من حوادث العمل والأنتاج وتقتضي واجباته الوظيفية قيامه بتفتيش المعامل والتأكد من تطبيق قواعد السلامة المهنية فيها . كان حريصا" أشد الحرص على أداء مهام وظيفته بكل جد ودقة و أخلاص لذا لم يكن من المستغرب أن يرتقي السلم الوظيفي بسرعة ويحتل وظيفة مهمة في الشركة التي كان يعمل بها على الرغم من كل المعوقات .
كان والداه يريدان منه أن يمارس التجارة في أوقات فراغه غير أنه كان يعشق الأدب القصصي ويجد فيه خير وسيلة للتعبير عن النفس ومقاومة شرور الواقع الاجتماعي . كان يعود من عمله بعد انتهاء الدوام الرسمي مرهقا" , ثم يأخذ قسطا" من الراحة قبل أن يجلس أمام طاولة الكتابة . كان يندمج في عملية الخلق الفني وينسى ماحوله , ويظل يكتب الى ساعة متأخرة من الليل وأحيانا" حتى فجر اليوم التالي ونتيجة لهذا الاجهاد المستمر , أصيب – وهو في الرابعة والثلاثين من عمره – بمرض التدرن الرئوي . ونحن نعرف تفاصيل ذلك من رسالته المؤرخة في 29/8/1917 الموجهة الى أوتلا . كتب كافكا إلى أخته يقول : " قبل ثلاثة أسابيع أصبت بنزيف رئوي . " ومنذ هذا التأريخ بدأت رحلة كافكا المؤلمة مع المرض . وأخذ يتنقل – طلبا" للعلاج – من مصح الى مصح . كان بحاجة ماسة الى التغذية الجيدة والهواء الطلق والراحة لنفسية والهدؤ التي كان من المفروض أن توفرها المصحات الطبية الواقعة خارج العاصمة براغ . ولم يكن في ذلك الزمان علاج لمرض السل غير هذا . ولكي لايفصل من وظيفته – مصدر رزقه الوحيد – كان عليه أن يحصل على اجازات مرضية طويلة ومتكررة بموافقة مدير الشركة التي كان يعمل فيها . وبينما كان كافكا راقدا" في المصح , فأن أخته أوتلا هي التي كانت تسعى للحصول على الأجازات المطلوبة . كما يتضح لنا ذلك من جواب كافكا على احدى رسائلها , كانت اوتلا تتذمر من غطرسة مدير الشركة وتشعر بالمذلة والمهانة وهي تقف امامه بينما هو منهمك في قراءة الطلب الجد يد الذي تقدمت به للحصول على اجازة جديدة لأخيها ولم يكلف المديرنفسه عناء رفع رأسه ليلقى نظرة على أوتلا الواقفة في انتظار قراره . كان كافكا خبيرا" بسايكولوجية البيروقراطيين فكتب الى أخته , يشرح لها الأمر : " أما أن المدير لم يرفع رأسه للنظر اليك , فهذا لا يدل على الاطلاق على الاستياء . كان ينبغي لي أن أهيئك لهذا الموقف فأسلوب المدير هو أسلوب يستخدمه بعض الخطباء حين يرفض الأستمتاع بالأنطباع الذي تتركه كلماته لدى الحضور الى القاعة لأن مثل هذا الخطيب الجيد – أو من يعتبر نفسه كذلك – واثق من نفسه الى درجة أنه لايشعر بالحاجة الى القاء نظرة على القاعة , أو الى مثل هذه الشحنة الأضافية فهو بدون ذلك , يدرك تماما" مدى قوته . " هذا المشهد الذي يصفه كافكا في احدى رسائله أشبه بمادة خام لأحدى مشاهد رواية " القلعة "
بعد الحرب العالمية الاولى تغير النظام الملكي في جيكوسلوفاكيا ولكن البيروقراطية وطقوسها المعادية للأنسان ظلت كما هي ماعدا تغيير واحد هو أن اللغة الجيكية أصبحت اللغة الرسمية للبلاد. لم يكن من السهل على كافكا الكتابة باللغة الجيكية التي لم يتلقى التعليم المدرسي بها لذا فأن مراسلاته مع ادارة الشركة التي كان يعمل بها , كانت تسلك طريقا" طويلا" . كان يكتب رسائله باللغة الالمانية ثم يرسلها الى أخته أوتلا في براغ ليقوم زوجها الجيكي بترجمتها الى اللغة الجيكية وإعادته الى كافكا الراقد في المصح ومن ثم كان كافكا يقوم بأعادة كتابة النص الجيكي بخط يده وبعناية شديدة ولكن لم يكن لدى مدير الشركة البيروقراطي وقت للرد على رسائل موظف يموت ببطأ على فراش المرض. كان كافكا يأمل أن يتلقى جوابا" على رسائله العديدة والتي كان يطلب فيها منحه إجازة طويلة ولكن طال انتظاره دون جدوى فقرر أن يكتب بنفسه ردا" على رسائله بدلا" من مدير الشركة . كان ردا من نسج خيال كافكا. جاء في هذه الرسالة الجوابية الخيالية ما يلي : " أيها الزميل العزيز ! طرأت في ذهني ليلة أمس فكرة جيدة وهي إن عليك أن تقضي في الهواء الطلق أطول وقت ممكن وأناشدك أن تستمتع بأجازتك الطويلة وأن لا تكلف نفسك عناء كتابة اي طلب جديد على الطريقة الجيكية . ارسل لي فقط برقية من كلمة واحدة " نعم " وستحصل على الأجازة السنوية المطلوبة فورا وبذلك لن تحمل اوتلا وزوجها مشقة متابعة طلباتك . أنا بأنتظار برقيتك وأتمنى لك الشفاء العاجل وأشكرك من صميم قلبي ... الخ "
لم تكن الاجواء في مصح ( ماتيلياري ) جيدة . كانت المشاكل اليومية الصغيرة تثير أعصاب الكاتب المريض : (الضجيج , الخدمة السيئة , رائحة المطبح القريب من غرفته ) ولكن حتى في ظل هذه الاجواء الكئيبة كان كافكا يبحث عن بهجة الحياة المفقودة وظل كذلك إلى آخر يوم في حياته .
كانت رسائله الى أوتلا مرحة يسرد فيها لأخته آخر أخبار المصح والحوادث الطريفة والحكايات المسلية التي لا يخلو منها حتى مصح للأمراض الصدرية . وفي احدى هذه الرسائل يستدرك كافكا قائلا" : (( أرجو أن لا يتبادر إلى ذهنك إننا نقضي أوقاتنا هنا في ضحك متواصل ذلك لأن أجواء المصح أبعد ما تكون عن المرح . ))
كانت وطأة المرض القاتل – الذي لم يكن له علاج في ذلك الزمن، حيث لم تكن المضادات الحيوية قد اكتشفت بعد – تشتد عليه يوما" بعد يوم فيتد فق الدم من رئتيه غزيرا" وبمرور الوقت أصبحت رسائله جادة ومقتضبة أكثر فأكثر . وردت آخر رسالة كتبها كافكا إلى أخته من مصح ( كيرليانكي ) الكئيب والحزين الذي لم يعد منه إلى بيته أبدا" .
عاش كافكا حياة الأغتراب الروحي عن مجتمعه ولكن من الخطأ أن نقول أن كافكا هو البطل الرئيسي لرواياته وقصصه فهو ليس السيد ( K) البطل الرئيسي لرواية (( القلعة )) وهو غير جوزيف (k) في رواية (( المحاكمة)) ورسائله الأخيرة الى أخته أوتلا خير دليل على ذلك . كما أن رسائله – قبل ذلك – الى ميلينا تؤكد هذه الحقيقة .
كتب كافكا ذات مرة في يومياته يقول : (( إن كل ما كتبته في حياتي انما هو نتاج الوحدة . )) ولكن كافكا لم يكن وحيدا" دائما بل كانت ثمة في حياته فترات قصيرة سعيدة ومضيئة يختفي فيها ذلك الجدار الذي كان يفصله عن الناس الآخرين ( فترة حبه لميلينا على سبيل المثال ) .
كما انه كان يعتز بأخته أوتلا الحنون التي كانت تشاركه آلامه وأحزانه . وفي كتاب (( رسائل الى اوتلا )) بعض الرسائل الموجهة الى زوجته " دورا " – التي تزوجها على الرغم من معارضة والديه – لذا فأن كافكا ودورا لم يوثقا هذا الزواج ولكنهما كانا يعتبران نفسيهما متزوجين حتى أنها كانت تستخدم لقبه وتوقع تحت هذا اللقب على عادة النساء الأوروبيات اللواتي يتخذن من القاب أزواجهن , ألقابا" لأنفسهن .
التحقت دورا بالمقاومة السرية المناضلة ضد الحكم الهتلري الفاشستي فى جيكوسلوفاكيا ثم هاجرت الى روسيا ومنها الى بريطانيا حيث توفت بعد الحرب العالمية الثانية أما ميلينا و أوتلا فقد لقيتا حتفهما في معسكرات الموت الهتلرية .وكان كافكا قد تنبأ فى وقت مبكر بظهور الفاشية وما ستسببه من ماسى وويلات للبشرية.
رسائل كافكا الأخيرة تقطر دما" وألما" , أنها تدعونا الى مقاومة الشر والأشرار وفي الوقت ذاته رسائل تتنفس حب الحياة النظيفة والنقية بكل جمالها وبهائهاومسراتها واحزانها.
لماذا يموت المبدعون والعظماء قهرا" وكمدا" وحزنا" ويحيا الاشرار العاطلون عن اي خلق او فضيلة في بحبوحة ويسر ؟ ولكن مع ذلك فأن المبدعين في كل مجال من مجالات الحياة هم الرابحون والمنتصرون. لا احد يتذكر اليوم ليس اسم مدير شركة التأمين ( الذي كان يأنف من الرد على طلبات الكاتب المريض ) ولكن حتى اسم رئيس جمهورية جيكوسلوفاكيا في ذلك الحين ولكن اسم كافكا كواحد من أعظم الكتاب في القرن العشرين سوف يبقى خالدا وليس أدل على ذلك إن نتاجاته ترجمت الى العشرات من لغات العالم الواسعة الأنتشار وما يزال نطاق تأثيره وشهرته يزداد يوما" بعد آخر . إني مدين لكافكا بالكثير وقد حاولت أن أرد بعض جميله بترجمةعدد كبير من قصصه ورواياته القصيرة الى اللغة العربية فى اوائل السبعينات ونشرت فى بغداد فى اوائل السبعينات من القرن الماضى فى وقت لم يكن قد ترجم شىء من نتاجاته الى العربية سوى روايته القصيرة(المسخ) .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alkarar.annuaire-forums.com
المحرر
Admin


عدد الرسائل : 20
العمر : 39
تاريخ التسجيل : 04/05/2007

مُساهمةموضوع: رد: Franz Kafka, فرانز كافكا   الخميس نوفمبر 15, 2007 10:39 am

فرانز كافكا
كل انسان يحمل في داخله غرفة



ترجمة عن الالمانية: نجم والي




كافكا (1883-1924)





كم عدد الكلمات المحفورة في شجرة الزان!

أنها تريد تذكيرنا! كما لو أن الكلمات لها القدرة على التذكير! لأن الكلمات مثل متسلقي جبال سيئين. فهم لا يجلبون الكنوز، لا تلك التي في أعالي الجبال ولا تلك التي تختبئ في أعماق الجبال!

هناك تذكر حيوي، يمر عابراً في كل قيم التذكر، يمسدها برقة مثل يد حنون. وإذا تصاعد لهب من هذا الرماد، مشتعلاًً وحاراً، قوياً وعنيفاً بينما تبحلق أنت بثبات، كما لو كنت مسيراً من قوى سحرية، فيعني...

لكن في هذا التذكر الوجل، لا يستطيع المرء كتابة اسمه بيد غشيمة وآلة عمل يدوية خشنة، في هذه الأوراق البيض، القنوعة التي ترضى بالقليل.

عندما نتحدث مع بعضنا: تكون الكلمات قاسية، يمر المرء عليها كما لو أنه يسير على بلاط شارع مرصوف بصورة سيئة. الأشياء الأكثر رقة تصبح أقداماً ثقيلة الحركة ولا نستطيع فعل شيء لها. أننا مثبتون ببعض في الطرق، أصطدم بك وأنت تصطدم بي - لا أجرؤ على الحركة، وأنت أيضاً. وعندما نصل إلى بعض الأشياء، التي هي ليست بالضرورة أحجار طريق، نرى فجأة، بأننا نملك ألبسة مقنعة وأقنعة وجوه، نعمل بحركات مدورة (أنا قبل كل شيء) ولنصبح فجأة حزينين ومنهكين. هل كنت ذات يوم متعباً مع أحد كما أنت معي؟

أنا متعب، يجب أن أفتش عن نفسي عبر راحة النوم، وإلا فأنني ضائع لا محالة. أي عناء، لكي يلقى المرء نفسه! لا يحتاج بذل جهد مثل هذا أي تمثال لكي يقف المرء على قدميه.

نحن مهجورون مثل أطفال ضلّوا الطريق في الغابة. إذا وقفتَ أمامي وتطلعت بيّ، فهل ستعرف شيئاً من الآلام، التي فيّ، وأي شيء سأعرفه أنا، من الآلام التي فيك؟ وماذا سيحصل، لو رميّت نفسي أمامك وبكيت وأنا أحكي لك، فهل ستعرف شيئاً مني، أكثر مما تعرفه عن الجحيم عندما يحكي لك أحدهم عنه، واصفاً حرارته ورعبه؟ ويكفي هذا السبب لوحده، لكي نعرف، نحن البشر، علينا أن نهاب بعضنا البعض جداً، أن نمعن في التفكير كثيراً، وأن نقف إلى جانب بعضنا متضامنين، كما لو كنا نقف عند مدخل يؤدي الى الجحيم.

كل إنسان يحمل في داخله غرفة. هذه الحقيقة يستطيع المرء التأكد منها عند اصاخته السمع. فعندما يسير أحدهم بسرعة ويصيخ السمع بدقة، في الليل مثلاً، عندما يكون كل شيء حولنا صامتاً، فإن المرء سيسمع مثلاً، خشخشة مرآة حائط ليست مثبتة بشكل جيد.

إلى أي مدى من اللامبالاة يمكن أن تصل الإنسانية، إلى أي قناعة عميقة، بحيث أن المرء يفقد وللأبد كل حس صحيح.

كل علم هو منهج ما للبحث عند مقارنته بالمطلق. لذلك لا حاجة للخوف من ضرورة منهجية واضحة. أنها القشرة، ولكن لا شيء أكثر من ذلك، باستثناء أن تكون أكثر من نفسها.

ضعف الذاكرة للتفاصيل الصغيرة ولمجرى التصور الخاص بالعالم فأل سيئ تماماً. فقط أجزاء من الكلّ. كيف تريد إذاً تأدية أكبر الواجبات، أن تتشمم قربها فقط، أن تحلم بوجودها، أن تتوسل حلمها على الأقل، إذا كنت لا تستطيع التعبير عن نفسك بهذه الدقة، بأنك، عندما تجيء لاتخاذ قرار، تقبض بيدك على نفسك كلها، مثلما تقبض على حجر لرميه، أو على سكين للذبح. من ناحية أخرى: على المرء ألا يبصق في اليدين، قبل أن يبسطهما.

نحن، إذا رأينا ذلك من زاوية عينين ملطختين بما هو أرضي، في وضع يشبه وضع مسافرين في قطار، تعرضوا لحادث مؤسف في نفق طويل، وبالذات عند تلك النقطة، حيث لا يرى المرء الضوء في بداية النفق، إنما يرى عند نهاية النفق ضوءاً ضعيفاً جداً جداً، لدرجة أن النظرة تصبح مجبرة بالاستمرار على البحث دائماً، لأنها تضيع دائماً، حيث لا تكون حتى البداية والنهاية مؤكدة.

ابتداء من نقطة معينة لن يكون هناك خط رجعة. تلك هي النقطة التي يجب الوصول إليها.

من الخارج يستطيع المرء دائماً من طريق النظريات أن يكسر العالم بانتصار، ويأخذه معه للهاوية، لكن فقط من الداخل يلقى المرء العالم ونفسه بهدوء وبحقيقية.

تاريخ الإنسانية هو اللحظة التي تقع بين خطوتين لجوال.

مأساة دون كيشوت ليست خياله، إنما سانشو بانسا. سانشو بانسا، الذي لم يشتهر، نجح مع مرور السنين، من طريق تهيئة أعداد كبيرة من روايات الفروسية واللصوصية في ساعات الليل لشيطانه، الذي سماه لاحقاً دون كيشوت، في إلهاء نفسه لدرجة، أن هذا قام من دون تحفظ بممارسة أفعال جنونية، لم تضر أحداً، لكنها وبسبب نقص أُحدوثة ما، كان يجب أن يقع فيها بالذات سانشو بانسا. على أي حال، سانشو بانسا رجل حر، تبع من دون تحفظ، ربما بسبب شعور خاص بالمسؤولية، دون كيشوتة في كل حملاته وامتلك في النهاية تسلية مفيدة وكبيرة حتى نهايته.

هناك مخابئ لا تحصى، وهناك إنقاذ واحد فقط، لكن إمكانات الإنقاذ من جهة أخرى كثيرة مثل المخابئ.

هناك هدف، لكن ليس هناك طريق؛ لأن ما نسميه طريق، هو التردد (...). لا تسمح للشر أن يجعلك تعتقد، بأن بإمكانك أن تحصل على الأسرار منه.

الشر هو ما يُلهي. الشر يعرف عن الخير، لكن الخير لا يعرف شيئاً عن الشر. معرفة النفس يملكها فقط الشرير.

الانتحاري هو السجين، الذي يرى مشنقة انتصبت في صحن السجن، فيعتقد بضلال، بأنها نُصبت له هناك، فيهرب في الليل من زنزانته، يتوجه إليها ويشنق نفسه عليها.

الإيمان بالتقدم لا يعني الاعتقاد، بأن التقدم حدث سلفاً. في هذه الحالة لن يكون هناك إيمان.

الحياة ملهاة مستمرة، لدرجة أنها لا تسمح للمرء لأن يفكر قليلاً، بأي وسيلة تلهيه.

لم أفهم أبداً ما هي القوانين.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alkarar.annuaire-forums.com
المحرر
Admin


عدد الرسائل : 20
العمر : 39
تاريخ التسجيل : 04/05/2007

مُساهمةموضوع: رد: Franz Kafka, فرانز كافكا   الخميس نوفمبر 15, 2007 10:40 am

كافكا.. صهيوني يلون العالم بالسواد!!

26/06/2002
وسام الدويك **


فرانز كافكا

(الكفاح يملؤني سعادة تفوق قدرتي على فعل أي شيء، ويبدو لي أنني لن أسقط في النهاية تحت وطأة الكفاح، بل تحت وطأة الفرح).

هكذا كتب (فرانز كافكا) رائد الكتابة "الكابوسية" في أواخر أيام حياته التي قضى معظمها مغمورًا ككاتب تشيكي المولد، يهودي الديانة، يكتب ويتكلم بالألمانية، يكتب هذه الكلمات؛ ليبلور شخصيته التي تخاف إلى درجة الرعب من الفرح والسعادة.

وُلِد فرانز في 3 يوليو 1883م ومات في نفس اليوم -مفاجأة قدرية ذات دلالة- بعد 41 عامًا في مدينة براغ عاصمة التشيك، كان كافكا منتميًا إلى يهود الطبقة الوسطى التي تتحدث الألمانية، وقرب دخوله المدرسة أرسله أبوه "هرمان" تاجر التحف الثري إلى المدرسة الحكومية، ثم إلى الجامعة الألمانية في براغ ليدرس القانون.

وصفه المقربون منه بأنه كان يستعين أثناء حديثه بأعضاء جسمه ووجهه كاملة، وكان بسيطًا خجولاً، يائسًا، معذبًا، وكانت سمة حياته البارزة هي الغضب الذي يولده القلق.

عاش "كافكا" معظم حياته في عزلة، فالتشيك يرونه ألمانيًّا، والألمان يرونه يهوديًّا، واليهود الأصوليون يرونه علمانيًّا، أما الإحساس الأعلى بالعزلة لدى كافكا فكان بسبب علاقته المتوترة دائمًا بمن حوله سواء أبوه أو أمه أو المجتمع ككل، لقد كان يشعر بالقهر، لكنه لم يكن يسعى لتغيير هذا القهر وإنما يكتفي فقط بفضحه وتعريته.

منذ سبتمبر عام 1917م بدأت أعراض مرض الدرن الرئوي تظهر عليه، وقد كتب عن مرضه يقول: "آلام الرئة ليست سوى انعكاس لآلامي المعنوية".

الفن.. علاج للشرخ النفسي أم شرخ أكبر؟

كان هناك شرخ كبير في علاقة كافكا بالعالم –عالمه المحيط والداخلي معًا-، فالعالم الذي عاشه هو نفسه الذي بناه، عالم الغربة الخانق المجرد من الإنسانية وتعبِّر أعماله عن موقفه من العالم الخارجي، ومنذ صباه اهتم كافكا بالأعمال الأدبية التي تناولت العمال المقهورين بالآلات، والمعذبين بالتشريعات فقرأ دستويفسكي، وتولستوي، وجوركي.

يُعَدُّ الأدب عند كافكا فن الهروب، فالأدب في رأيه فرار من الواقع، تُعَدّ كتاباته الأولى مجرد مناجاة داخلية يترجم بها انطباعاته وأحاسيسه، وقد توقف منذ كتابه (الحكم) عام 1912م عن هذا ليكتب أعمالاً أدبية حقيقية.

كما يعتبر رائد الكتابة السوداوية أو الكابوسية التي يعرفها القاص المصري المخضرم يوسف الشاروني بأنها "تصوير الأحداث غير الواقعية بطريقة تبدو واقعية للغاية كما يحدث في الكابوس".

فالبطل في أعماله الأدبية يعيش الحدث الكابوسي، حيث تتزاحم عليها التفصيلات الواقعية، ولكن بشكل يومي بأن هناك قوى ما تتخذ موقفًا مضادًّا لها بصورة تتحول معها الحياة الطبيعية لهذه الشخصية إلى ما يشبه الكابوس، وهذا ما نراه متجليًا في أعمال كافكا الشهيرة، مثل: التحول، الدودة الهائلة، في مستعمرة العقاب، أبحاث كلب، الجحر، وكذلك أعماله الروائية المنشورة بعد وفاته: القضية (1925م) القلعة (1926م).

أعمال كافكا.. مذاق العلقم ولون الفحم وملمس الشوك

هكذا تبدو أعماله: إحساس عالٍ وعميق بالمرارة والظلمة، ففي روايته "المسخ" يقدم رؤية سوداء للإنسان، يصحو الموظف المبتئس بوظيفته وأرهقه ضغط احتياجات أسرته، حيث يعول والديه وأخته.. يصحو ليجد نفسه يعامل كحشرة كبيرة تشبه الخنفساء، ويتحول من مصدر احتفاء إلى مصدر إزعاج.

وتتنفس الأسرة الصعداء حين تموت تلك "الحشرة"، وكأنما الذي يربط الإنسان بأسرته حاجة مادية إذا لم يستطع أن يحققها تخلت الأسرة عنه وحاربته كما تحارب أي حشرة ضارة!!

وفي إحدى روايات كافكا يدفع البطل إلى ساحة المحكمة بلا ذنب، ويصور لنا سير المحاكمة بأسلوب مخيف، فهي تتم تحت سقف منخفض وينحني الجميع من أثره طوال الوقت، ويساق البطل إلى الموت كأي حيوان؟!

ويتساءل أحد الباحثين: "ما الذي يغري "كافكا" بالنهايات المفزعة، حيث يموت البطل دائمًا مع اختلاف الأساليب، فبطل "القلعة" يقتل، وبطل "المحاكمة" يُعْدم، وبطل "المسخ" يموت وكأنه حشرة بشعة.

ولم يكن هذا هو رد فعل القارئ العادي فحسب، بل إن مجلة فرنسية دعت بإحراق مؤلفات "كافكا"؛ لأنه داعية إلى الهدم واليأس، بل إن أديبًا بقامة الفرنسي "جان جينيه" يقول: "يا له من حزن! لا شيء يمكن فعله مع كافكا هذا. فكلما اختبرته، واقتربت منه أراني أبتعد عنه أكثر"، بل وصل به الأمر لشكه في نفسه وفي قدرته على التحصيل والفهم فقال: "هل ينقصني عضو في جسمي؟ فقلق كافكا وضجره أفهمهما جيدًا لكني لا أقبلهما أبدًا".

يا "كافكا".. حلمك الدموي تحقق

عاش كافكا سجينًا لجذوره اليهودية التي شكلت عالمه الداخلي، كما شكلته قراءاته لديستويفسكي وللتوراة أيضًا، لكنه كان منعزلاً تمامًا عن أية جماعة روحية، وكان شعب إسرائيل في نظره هو الشعب المختار، لكنه أيضًا الشعب الذي حقت عليه لعنة الرب، ورغم أنه يرى أن اليهود لا يزالون يتمسكون بمعتقدات وشعائر لا يستطيع أبدًا أن يفهم مغزاها، لكن ذلك لم يمنعه من أن يفي لمعتقده في دولة لليهود، وشارك بالفعل في الحركة الصهيونية بنفسه، وربما توقع أن يموت فأراد أن يؤكد عميق صدقه لمبدئه قائلا: "حتى لو لم أهاجر إلى فلسطين، فإنني وددت أن أموت وإصبعي موضوع على الخريطة".

الأدب في خدمة قضيته

حفلت أعماله بالدعوة الصريحة لقضيته التي آمن بها وهي قيام دولة صهيونية على أرض فلسطين، والتي ربما جاء إيمانه العميق بها من فرط إحباطاته النفسية والاجتماعية المغرقة في السوداوية، وربما فكَّر أن ينعم بالخلاص "الفئوي" له ولقومه اليهود؟ فهل يمكن أن نلومه على ضيق أفقه وقصور فكره، أم أننا لا يمكن فصل أفكاره عن سياقها التاريخي والإنساني آنذاك الذي عانت فيه البشرية من التشرذم.

كل هذه الأسئلة وغيرها تدور حين نلقي نظرة على أعماله، مثل قصة "بنات آوى وعرب".. وقصة "أحد عشر عبرانيًّا"، وليس ذلك فحسب فهو لم يكتفِ بعمله الإبداعي، لكنه وضع عام 1918م مشروعًا لجماعات عاملة غير مالكة، حيث كان يرسم الخطوط العامة لجماعات الكيبوتز في دولة إسرائيل المرتقبة، ويُذكر أنه كان مواظبًا في أواخر أيامه على دراسة اللغة العبرية بكل جدية، بل وانضم إلى حركة سرية تعبِّر عن مذهب يهودي متصوف.

أوصى كافكا بحرق آثاره الأدبية كلها سواء المطبوعة أو المخطوطة، وعهد بذلك إلى صديقه الحميم "ماكس برود"، لكن برود رفض تنفيذ الوصية وحفظ أعماله المهمة.

الشعور بالضجر خلف كل كتاباته الكابوسية

"أنت وراء كل معاناتي" هكذا كتب كافكا في رسالة إلى أبيه واستطرد قائلا: "قلت فيها ما لا أستطيع أن أقوله وأنا على صدرك"، ويذكر روجيه جارودي في كتابه "واقعية بلا ضفاف" أن والد كافكا كان في نظر ابنه "صورة مصغرة للمجتمع الضاغط الذي يدفع إلى الإحساس بالغربة، ويخنق شخصية الإنسان، فالغربة عند الإنسان نتاج العلاقات الاجتماعية وقد عاشها أول الأمر في شكل علاقته بأبيه".

لا نعلم تماما لِمَ كان يكره من حوله بهذا الشكل؟ ولكن يبدو أن ذلك لا يعود لهم في الأساس وإنما يعود لنظرته هو حيالهم، ولم يكتب كثيرًا عن سبب أزماته مع الكون خارجه، ولكنه أسهب في التعبير من سخطه على الكون كله، فتبدو ملاحظاته المتناثرة حول عالمه تفصح عن شخصية ملولة يقتلها الضجر فهو يصف الكون من حوله بأنه "كوكب مليء بالبيروقراطية"، وهو يعاني من التناقض بين مهنته وبين اهتمامته الأدبية، فرغم أنه حصل على درجة الدكتوراة في القانون فإنه كرهه وتركه ليعمل موظفًا صغيرًا جدًّا في مؤسسة للتأمينات العمالية ضد الحوادث في مملكة بوهيميا منذ عام 1908م، وقد قال كافكا عن دراسته: "درست الحقوق وهذا يعني أنني أرهقت أعصابي تمامًا وتغذيت روحيًّا بالنفايات، ومما يزيد الطين بلة أن هذه النفايات لاكتها قبلي آلاف الأفواه".

وهو يكره مدرسته، حيث يعتبرها مسئولة تمامًا عن ضمور ميزاته الفردية في الصغر، وبالمثل فهو لا يعجبه أباه لتكالبه على الدنيا وظلمه للعمال في مؤسسته، ويرى في اسم عائلة أمه مصدر كل غدر وجبن في شخصيته.

أضف إلى ذلك علاقاته العاطفية الثلاث التي تُوجت بالفشل، وبلغ ضجره مداه حين استفزه التحرك العادي لساعات اليوم القاتلة على عكس ساعته الداخلية التي وصفها بأنها "شيطانية السرعة"، فيقول: "إنها لحياة مزدوجة رهيبة حقًّا لا أظن أن هناك مخرجًا آخر منها سوى الجنون".


--------------------------------------------------------------------------------

المصادر:

1 – واقعية بلا ضفاف: بيكاسو – سان جون بيرس – كافكا تأليف: روجيه جارودي تقديم: أراجون- ترجمة: حليم طوسون مراجعة: فؤاد حداد - طبعة مكتبة الأسرة – 1998م

2 – فرانز كافكا – الأعمال الكاملة – ج1،2 – ترجمة الدسوقي فهمي-الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة – آفاق الترجمة – العدوان 29، 36 – يونيو، ديسمبر 1997م.

3 – فرانز كافكا – تأليف: رونالد جراي – ترجمة: نسيم مجلي - المجلس الأعلى للثقافة – المشروع القومي للترجمة – 2000م.

4 – التجريب في القصة القصيرة – دراسة في قصة (يوسف الشاروني) هيثم الحاج علي – الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة- كتابات نقدية – 105 – يوليو 2000م.

5 – شبكة المعلومات الدولية.


--------------------------------------------------------------------------------

** باحث إسلامي
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alkarar.annuaire-forums.com
المحرر
Admin


عدد الرسائل : 20
العمر : 39
تاريخ التسجيل : 04/05/2007

مُساهمةموضوع: رد: Franz Kafka, فرانز كافكا   الخميس نوفمبر 15, 2007 10:41 am

ميلان كونديرا يكتب عن فرانز كافكا
في وراء ما – هناك


ترجمة: أمل منصور (مترجمة من الأردن)
(1) يروي صديقي جوزيف سكوفيرسكي في أحد كتبه، هذه القصة الحقيقة:

دعي مهندس من براغ الى ندوة مهنية في لندن. فذهب وشارك في محاضر جلسات الندوة ثم عاد الى براغ. بعد ساعات من عودته تناول أول صحيفة "رود - برافو - وهي صحيفة الحزب اليومية الرسمية - وقرأ: مهندس تشيكي، حضر ندوة في لندن، أطلق تصريحا هجوميا للصحافة الغربية عن وطنه الاشتراكي وقررا لبقاء في الغرب.

إن الهجرة غير المشروعة التي يرافقها تصريح كهذا أمر غير بسيط. إنها تساوي عشرين عاما في السجن. لم يصدق مهندسنا عينيه، لكن لا مجال للشك، المادة تشير اليه. صدمت سكرتيرته عندما دخلت مكتبه : يا الهي، لقد عدت لا أفهم شيئا! هل رأيت ما كتبوا عنك ؟

رأي المهندس الخوف في عيني سكرترته. ماذا بوسعه أن يفعل ؟ ذهب الى مكتب "رود برافو". وجد المحرر المسؤول عن الخبر. اعتذر المحرر : نعم. انه موضوع مرعب فعلا. لكن المحرر ´لا علاقة له بالموضوع، لقد تلقي نص المادة مباشرة من ودارة الداخلية.

هكذا ذهب المهندس الى وزارة الداخلية. وهناك قالوا: نعم، بالطبع، هناك خطأ، لكنهم، أثن الوزارة لا علاقة لهم بالأمر، لقد تلقوا التقرير عن المهندس من المخابرات في السفارة بلندن. طالبا المهندس بتكذيب. رفضوا لأن التكذيب غير ممكن، لكن لن يحدث له شيء. عليه ألا يقلق.

لكن المهندس أصابه القلق، أدرك فجأة أنه مراقب، وأن مكالماته مسجلة : وانه ملاحق في الشوارع لم يعد بوسعه النوم، طاردته الكوابيس حتى لم يعد يحتمل الضغط. قام بالكثير من المخاطرات الحقيقية ليترك البلاد بطريقة غير مشروعة. وأخيرا أصبح مهاجرا.

(2) القصة التي رويتها ممكن أن نقول عنها فورا "كافكاوية ". هذا التعبير، مستمد من عمل فنان، حدده خيال روائي فقط، تبدو وكأنها القاسم المشترك الوحيد لأوضاع (أدبية وحقيقية ) ولا تسمح لنا أي كلمة أخرى بإدراكها والتي لا تعطينا لا النظريات السياسية والاجتماعية أو النفسية أي مفتاح لفهمها. لكن ما هي الكافكاوية ؟

لنحاول وصف بعض مظاهرها.

أولا:

واجه المهندس سلطة لها صفة "متاهة بلا حدود". لا يستطيع أبدا أن يبلغ نهاية دهاليزها اللامتناهية ولن ينجح في العثور على من أصدر الحكم المشؤوم. أنه إذن يواجه نفس الوضع الذي واجها جوزيف ك. أمام المحكمة. أو المساح ك. في مواجهة القلعة. ثلاثتهم في عالم ما هو إلا مؤسسة متاهية هائلة واحدة لا يستطيعون الفكاك منها. عرى الروائيون قبل كافكا المؤسسات باعتبارها ميادين الصراعات بين المصالح الشخصية والعامة، أما عند كافكا فالمؤسسة هي آلية تخضم لقوانينها الخاصة، لا أحد يعرف من الذي سن هذه القوانين أوحتي لا علاقة لها بالهموم الانسانية وبالتالي فهي غامضة.

ثانيا :

في الفصل الخامس من القلعة يشرح عمدة القرية بالتفصيل لـ "ك " تاريخ ملفه الطويل. باختصار : قبل عدة سنوات، عقت القرية أمرا من القلعة باستخدام مساح. رد العمدة بجواب سلبي (لا حاجة لأي مساح). لكن الرد ضل طريقه الى مكتب الوظيفة القديم الى ك، في اللحظة التي كانت فيه المكاتب المعنية بالأمر تعمل على الفاء الطلب القديم المهمل. هكذا، بعد رحلة طويلة وصل ك. ال القرية بالخطأ. وأكثر من ذلك، لأنه أعطي ذلك فليس له عالم ممكن عدا القلعة وقريتها، وجوده كلا غلطة.

في العالم الكافكوي، أخذ الملف دور الفكرة الافلاطونية، انه يمثل الواقع الحقيقي. في حين أن الوجود المادي للانسان ليس إلا ظلا معروضا على شاشة الوهم. حقيقة أن المساح ك، ومهندس براغ ليسا إلا ظلي بطاقات طيفيهما وحتى هما أقل كثيرا من ذلك. انهما ظلا خطأ في الملف، ظلال بدون الحق حتى في الوجود كظلين.

لكن إذا كانت حياة الانسان ليست إلا ظلا والواقع الحقيقي في مكان آخر. متعذر بلوغه، في اللاانساني أو فوق الانساني، فإننا ندخل فجأة في عالم اللاهوت. والحقيقة أن أوائل المعلقين على كافكا فسروا رواياته كحكايات دينية رمزية. يبدو لي مثل هذا التفسير خاطئا (أنه يرو الرمز حيث قبض كافكا على الأوضاع الملموسة للحياة الانسانية ) لكنه كاشف حيثما تتحدى السلطة نفسها، فإنها تنتب اتوماتيكيا لاهوتها الخاص. حيثما تتصرف بمشيئتها، فإنها توقظ المشاعر الدينية نحوها. عالم كهذا يمكن أن يوصف بتعبيرات لاهوتية.

لم يكتب كافكا رموزا دينية. لكن الكافكاوية في الحقيقة والأدب لا تنفصل عن بعدها اللاهوتي أو الأحري (اللاهوتي المزيف ).

ثالثا :

لا يستطيع راسكولينكوف حمل أعباء ذنبه. ومن أجل الراحة يقبل بعتابه بكامل حريته. انه وضع معروف حيث (الجريمة تبحث عن عقاب ). المنطق عند كافكا معكوس. الشخص المعاقب لا يعرف سبب عقابه. وتكون عبثية العقاب غير محتملة، ومن أجل أن يرتاح يحتاج المتهم أن يجد تبريرا لقصاصه. العقاب يبحث عن جريمة لقد عوقب المهندس من براغ برقابة بوليسية مكثفة. يطالب هذا العقاب بجريمة لم ترتكب، وينتهي الأمر بالمهندس المتهم بالهجرة الى أن يهاجر بالفعل. لقد عثر العقاب أخيرا على الجريمة.

يقررك. في الفصل السابع من "المحاكمة " أن يفحص حياته كلها، باعتباره لا يعرف التهمة الموجهة اليه في ماضيه كلا "حتى أصغر التفاصيل " لقد بدأت آلة (لـوم الذات ) بالعمل.والمتهم يبحث عن جريمة.

تتلقي اماليا في يوم ما رسالة فاحشة من موظف في القلعة. تمزقها وهي شديدة الغضب. القصر ليس بحاجة لادانة تصرف اماليا المتهور. لقد فعل الخوف فعله (ذات الخوف الذي راد مهندسنا في عيني سكرتيرته ). وهكذا بدون أوامر، باوز إشارة واضحة من القلعة يتفاد تن الناس عائلة اماليا وكأنها وباء.

حاول والد اماليا الدفاع عن أسرته. لكن واجهته مشكلة : إذ ليس من المستحيل العثور على أصل الحكم، لكن الحكم نفسا غير موجود. فمن أجل أن تستأنف أو تعلب عفوا، يجب أن تكون محكوما أولا: يتوسل الوالد الى القلعة أن تعلن عن ذنبه. اذن لا يكفي القول أن العتاب يبحث عن جريمة. ففي هذا العالم اللاهوتي المزيف يتوسل المعاقبون التعرف على جريمتهم.

يحدث كثيرا هذا الأيام في براء الا يعثر المغضوب عليه حتى على أكثر الأعمال حقارة. يبحث دون جدوى عن شهادة تبين الذنب الذي آقترفه وانه ممنوع من العمل. لكن الحكم غير موجود، ولما كان العمل في براغ واجبا ينص عليه القانون، ينتهي به الأمر أن يتهم بالطفيلية، وهذا يعني أنه مذنب بتجنبه العمل. لقد وجد العقاب جريمته.

رابعا :

تبدو حكاية المهندس من براغ قصة مضحكة، مزحة انها تثير الضحك.

رجلان عاديان تماما (ليسا "مفتشين " كما في الترجمة الفرنسية ) يفاجئان جوزيف ك. في السرير ذات صباح ويخبرانه أنه موقوف، ويأكلان طعام افطاره. كان ك. مواطنا مدنيا منضبطا. فبدلا من أن يطرد الرجلين من شقته، يقف في ملابس نومه ويداخه عن نفسا مطولا، عندما قرأ كافكا الفصل الاول من المحاكمة لأصدقائه ضحك الجميع، بمن فيهم المؤلف.

تخيل فيليب روث نسخة سينمائية عن القلعة : يلعب غروشوماركس دور المساح ك. مع شيكو وهاربو بدور المساعدين.

نعم، روث على حق تماما : فالكوميديا لا تنفصل عن جوهر الكافكاوية.

لكن هناك راحة قليلة للمهندس في معرفته أنها كوميدية. انه في فذ مزحة حياته مثل سمكة في إناء. انه لا يجد ذلك مضحكا. من الطبيعي أن المزحة هي مزحة فقط اذا كنت خارج الاناء، بالمقابل تأخذنا الكافكاوية الى الداخل، الى أعماق المزحة، الى رعب الكوميديا. في العالم الكافكاوي الكوميدي ليس مضادا للتراجيدي (التراجيكوميدي) كما في شكسبير، انه ليس هناك لجعل التراجيدي أكثر احتمالا بتخفيف اللهجة، انه لا يرافق التراجيدي، ابدا، انا يحطمه في مهدد وبذلك يحرم الضحية من العزاء الوحيد الذي يأمله: العزاء في أن يجد نفسه في عظمة التراجيديا (مفترضة أو حقيقية ). فقد المهندس وطنه، وضحك الجميع.

هناك مراحل في التاريخ الحديث تشبا فيها الحياة روايات كافكا.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alkarar.annuaire-forums.com
المحرر
Admin


عدد الرسائل : 20
العمر : 39
تاريخ التسجيل : 04/05/2007

مُساهمةموضوع: رد: Franz Kafka, فرانز كافكا   الخميس نوفمبر 15, 2007 10:42 am

3)عندما هنت ما أزال أعيش في براغ، كنت أسمع الناس باستمرار يسمون مقر قيادة الحزب (وهي بناية حديثة بشعة ) باسم "القلعة ". وبالاستمرار نفسه كنت أسمع السكرتير الثاني للحزب "الرفيق هند ريش " يدعى كلام (إذ كان أكثر جمالا من كلمة Klam التي تعني بالتشيكية "سراب " أو "خداع ").

سجن الشاعر أ.، وهو شيوعي كبه ر، بعد محاكمة ستالينية في الخمسينات، كتب في سجنه مجموعة من القصائد أطن فيها اخلاصه رغم كل الرعب الذي واجها. لم يكر مصدر ذلك الجبن. لقد رأى الشاعر إخلاصه لجلاديه كعلامة لفضيلته واستقامته.

أولئك الذي أطلعوا على هذه المجموعة من أهالي براغ، أطلقوا عليها، بشيء من السخرية عنوان "عرفان جوزيف ك. بالجميل ".

لقد كانت الصور والأوضاع وحتى الجمل المميزة في روايات كافكا جزءا من حياة براغ. هذا القول يمكن يدفعنا الى الاستنساخ. اذا كانت صور كافكا حية في براغ فلأنها تتنبأ بالمجتمع الشمولي.

هذا الادعاء يحتاج الى تصحيح : إن الكافكاوية ليست مسطحا سوسيولوجيا أو سياسيا. قامت محاولات لتفسير روايات كافكا بوصفها نقدا للمجتمع الصناعي، للاستقلال، للاستلاب وللأخلاق البرجوازية وباختصار للرأسمالية، لكن لا يوجد شيء من العناصر الرأسمالية في عالم كافكا: لا المال أو سلطته، ولا التجارة ولا الملكية والملاك أو الصراع الطبقي.
ولا تنطبق الكافكاوية أيضا مع تعريف الشمولية، فلا يوجد في روايات كافكا لا الحزب ولا الايديولوجية ومفرداتها ولا السياسة. و لا الشرطة أو الجيش.
لهذ يجب علينا القول أن الكافكاوية تمثل امكانية كامنة في الانسان وعالمه. امكانية غير محددة تاريخيا ترافق الى نسان على نحو أو آخر الى الابد.
لكن هذا التصحيح لا يلغي السؤال كيف يملا أن تندمج روايات كافكا بالحياة الحقيقية في براء، بينما قرئت الروايات نفسها في باريس بوصفها تعبيرا غامضا عن عالم المؤلف الذاتي الكلي : هل يعني ذلك أن امكانيات الانسان وعالمه المعروفة بالكافكارية تصبح أقدارا شخصية واقعية في براغ أكثر منها في باريس؟
منك نزعات في التاريخ الحديث تنتب الكافكاوية في البعد الاجتماعي الواسع: القوة المتصاعدة للسلطة التي تنزع الى تأليه نفسها. وبيروقراطية النشاط الاجتماعي التي حولت كل المؤسسات الى متاهات بلا حدود، مما يؤدي الى استلاب شخصية الفرد. لقد أظهرت الدول الشمولية بوصفها تصاعدا كبيرا لهذه التنزعات العلاقة الوثيقة بين روايات كافكا والحياة الحقيقية.
لكن ليس بامكان الناس في الغرب رؤية هذه العلاقة، ليس لأن المجتمع الذي ندعوه بالديمقراطي أقل لحافكاوية من مجتمع براغ في اليوم فقط، بل الانه، حسب ما يبدو لي فقد هنا على نحو قاطع الاحساس بالواقع.
حقيقة أن المجتمه الذي ندعوه ديمقراطيا ليس غريبا على عملية استلاب الفرد والبيروقراطية. لقد أصبح الكون كله مسرحا لهذه العملية. لكن لماذا كان كافكا أول روائي أدرك هذا النزعات التي ظهرت بعد وفاته على مسرح التاريخ بوضوح وقسوة تامين؟
اذا تركنا الخرافات والاساطير جانبا، فلا يوجد أثر هام لاهتمامات فران كافكا السياسية وبهذا المعنى، فإنه يختلف عن كل أصدقائه البراغيين، من ماكس برود. فران فيه وفيل، ديفون أروين كيشر، ومن كل الطليعيين الذين بإدعائهم معرفة اتجاه التاريخ، ينغمسون في استحضار وجه المستقبل.
كيف إذن أن الأعمال التي تميزت كنبوءة اجتماعية سياسية ليست أعمالهم، بارأسال رفيقهم المتوحد المنطوي الذي انغمس في حياته الخاصة وفي فنه، والتي هي لهذا السبب ممنوعة في جزء كبير من العالم.
تأملت هذا الغموض أدت يوم بعد ان رأيت مشهدا صغيرا في منزل صديقة قديمة لي لقد اعتقلت سنة 1951 خلال المحاكمات الستالينية في بزاغ، وادينت بجرائم لم ترتكبها. لقد وجد المئات من الشيوعيين. انفسهم في الوضع نفسه في ذلك الوقت. لقد تماهوا طور حياتهم مع حزبهم. عندما اصبح فجأة جلادهم. وافقوا تماما مثل جوزيف ك. على "فحص حياتهم، ماضيها : حيث ادق التفاصيل " لكي يعثروا على الجريمة المخبوءة وفي النهاية. الاعتراف بجرائم متخيلة.
لقد أنقذت صديقتي حياتها، لأنها رفضت بشجاعة نادرة الخضوع _ كما فعل رفاقها. وكما فعل الشاعر" أ " – "البحث عن جريمتها ". رافضة مساعدة جلاديها، اصبحت غير صالحة للاستعمال في المشهد الأخير للمحاكمة، وهكذا بدلا من أن تعدم حكم عليها بالسجن المؤبد. وبعد أربعة عشر عاما، رد إليها الاعتبار وأفرج عنها.
عندما اعتقلت هذا المرأة كان عمر ,طفلها سنة واحدة، عندما خرجت مر السجن انضمت الى ابنها البالغ خمسة عشر عاما وتمتعت بمشاركته العيش في عزلة متواضعة منذئذ. لقد كان ارتباطها العاطفي بالصبي مفهوما تماما. ذهبت لرويتها ذات يوم - كان عمر ابنها خمسة وعشروين عاما. كانت الأم تبكي غضبا والما لسبب تافه تماما: لقد نام الصبي اكثر مدر اللازم أو شيئا كهذا. سالت الام "لم تنزعجين من سبب سخيف كهذا؟ هل يستحق البكاء بسببه ؟ الست تبالغين ؟ "
أجابني الشاب بدلا عن أمه " لا " ان أمي لا تبالغ أمي امرأة رائعة، شجاعة. لقد قاومت عندما انهار الجميع. انها تريد أن تجعل مني رجلا حقيقيا. حقيقة انني نمت كثيرا، لكن أمي وبختني على شي أكثر. انه موقفي. موقفي الأناني، اريد أن اصبح كما تريد مني أمي ان اكون واشهدك بوعدي أنني سأصبح ".
إن الذي فشل الحزب في تحقيقه مع الأم، نجحت الأم في تحقيقه مع الابن. لقد ارغمته على ان يمتثل لهذه التهمة السخيفة. على "البحث عن جريمة "، على الأعتراف علنا نظرت، مذهولا، الى هذه المحاكمة الستالينية المصغرة. وفهمت على الفور أن لميكانزم النفسي الذي يوظف الاحداث التاريخية الكبيرة (الخارقة. اللاانسانية ) هو نفسه الذي ينظم الأوضاع الخاصة (العادية جدا والانسانية ).
ترضح الرسالة الشهيرة التي كتبها كافكا ولم يرسلها الى والده أنه من العائلة، من العلاقة بين الطفل وتحدي سلطة الابوين، استخلص معرفته بتقنية الاحساس بالذنب. التي أصبحت أكبر ثيمة في أدبه. في "الحكم " وهي قصة قصيرة شديدة الارتباط بتجربة المؤلف العائلية، يتهم الأب ابنه ويأمره أن يفرق نفسه.
يتقبل الابن ذنبه المفترض ويرمي نفسه بالنهر طواعية، كما في عمله اللاحق، يذنب خلفا جودا يف ك. الذي أدانته منظمة مجهولة للذبح.
ان التشابة بين التهمتين، "الشعورين " بالذنب، وتنفيذ الحكمين، يكشف الرابط في عمل كافكا، بين "الشمواية " العائلية الخاصة وبين الشمولية في رؤاه الاجتماعية العظيمة.
ينزع المجتمع الشمولي في : صيغته الأكثر تطرفا. الى مسه الحدود بين العام والخاص، وتطالب السلطة )امتي تصير أكثر دكنة أن تكور حياة المواطنين شفافة تماما. ان المثل الأعلى "للحياة بدون أسرار" يتطابق مع العائلة النموذجية. على المواطن ألا يخفي شيئا أبدا عن الحزب أو الدولة، تماما مثل الطفل الذي يجب الا يحتفظ بسر عن أمه أو أبيه. تظهر المجتمعات الشمولية ابتسامة مثالية انها تريد أن تبدو مثل "عائلة واحدة كبيرة ".
غالبا ما يقال أن روايات كافكا تعبر عز رغبة جامحة للايمان بالجماعة والاتصال الانساني، أن للكائن غير المتجذر الذي هو ك. هدفا واحدا. تجاوز لعنة العزلة، ان ذلك ليس مجرد مقولة، أو تفسير مختزل فقط، انه تفسير مضاد، لم يكر المساح ك. باحثا عن الناس وحما ستهم، انه لا يحاول أن يصبح " رجلا بين الرجال " مثل "أوريست " سارتر، انه يريد القبول به ليس من جماعة بل من مؤسسة. لكي يصبح كذلك عليا أن يدفع الثمن غاليا: يجب أن يتخل عن عزلته. وهذا هو جحيمه انه ليس وحيدا أبدا، فالمساعدان اللذان أرسلا من القلعة يلاحقانه دوما. عندما مارس الحب للمرة الأولى مع فريدا، كان الرجلان هناك يجلسان على طاولة المقهى يعللان على العاشقين، ومنذ تلك اللحظة لم يغيبا عن سريرهما.

ليست لعنة العزلة بل "انتهاك العزلة " هو هاجس كافكا، أرعه. الجميه "كارل روسمان " باستمرار : انهم يبيعون ملابسه يأخذون صورة أبويه

الوحيدة، في مخدعه، قرب سريره، يتلاكمان ويسقطان فوقه بين الحين والأخر أجبره رجلان جلفان ؛ روبنسون، وديلا مارش ان ينتقل معهما والسمينة برويندا التي يخترق أنينها أذنيه أثناء نومه.
تبدأ قصة جوزيف ك. أيضا بانتهاك خصوصية : يأتي رجلان مجهولان لاعتقاله في سريره. ومنذ ذلك اليوم، لم يشعر بوحدته : المحكمة تتبعه تراقبه. تحادثه حياته الخاصة تختفي بشيئا فشيئا، تبتلعها المنظمة الغامضة التي تلاحقا.
ان الارواح الشاعرية التي تحب التبشير بالغاء الأسرار وشفافية الحياة الخاصة لا تدرك طبيعة العملية التي تطلقها. تشبه نقطة بداية الشمولية بداية "المحاكمة " ستعتقل وأنت غافل في سريرك.سيأتون اليك كما اعتاد أبوك وأمك أن يفعلا. يتساءل الناس غالبا ان كانت روايات كافكا اسقاطا لأكثر صراعات المؤلف الشخصية والخاصة، أم وصفا موضوعيا "للالة الاجتماعية ".
لا تقتصر اكافكاوية على الملكية الخاصة أو العامة انها تحتويها معا، العام هو مرآة الخاص والخاص يعكس العام.

(6) في حديثي عن الممارسات الاجتماعية الصغرى التي انتجت الكافكاوية لا أعني العائلة فقط بل المنظمة التي قضى فيها كافكا كل حياته المكتب.
غالبا ما ينظر الى ابطال كافكا على أنهم اسقاط مجازي للمثقف، لكن لا يوجد مثقف في غر يغور سامسا. عندما يستيقظ وقد تحول الى صر صار، كان له هم واحد، في هذا الحالة الجديدة، كيف يصل الى بالمكتب في الوقت المناسب. لم يكن في رأسه سوى الطاعة والنظام الذي تعود عليه في مهنته انه مستخدم، موظف. ككل شخصيات كافكا، موظف ليس بمعنى النموذج السوسيولوجي (كما في زرلا) بل كامكانية انسانية، طريقة ابتدائية للوجود.
في عالم الوظيفة البه روقراطي لا يوجد أولا، مبادرة، ولا ابتكار ولا حرية في الفعل هناك فقط أوامر وقواعد. انه عالم الطاعة. ثانية يقوم الموظف بجرء صغير من النشاط الأداري الكبير ولا يعرف شيئا عن هدفه أو آفاقه : انه العالم الذي أصبحت فيه الافعال آلية ولا يعرف الناس معنى ما يفعلونه.
نجد الجواب في رسالة كتبها الى ميلينا "المكتب ليس مؤسسة غبية، انه أقرب الى عالم الغرابة أكثر منه الى الغباء " تنطوي هذا الجملة على واحد من أكبر أسرار كافكا. لقد رأى ما لم يره غيره. فقط الأهمية الكبرى للظاهرة البيروقراطية بالنسبة للانسان ولشرطه، ولمستقبله،لكن أيضا (والأكثر ادهاشا) الشعرية الكامنة التي تنطوي عليها الطبيعة الشبحية للمكاتب.
لكن ما الذي يعنيه قول : المكتب أقرب الى عالم الغرابة ؟
يمكن لمهندسنا من براغ في أن يفهمه : قذف به خطأ في ملفه الى لندن، هكذا تجول في برا في كشبه حقيقي، بحثا عن جسده الضائع، في حين بدت له المكاتب التي زارها متاهة بلا حدود من ميثولوجيا مجهولة.
سمحت طبيعة الغرابة التي أدركها كافكا في العالم البيروقراطي بأن يفعل ما بدا سب التخيل من قبل : لقد حول مادة مضادة للشعر بعمق في مجتمع بيروقراطي الى شعر عظيم في الرواية، حول قصة عادية جدا لرجل لا يستطيع الحصول على وظيفة موعودة (التي هي ؤ الحقيقة قصة "القلعة ") الى أسطورة، الى ملحمة، الى نوع من الجمال لم نر له مثيلا من قبل.
بتوسيع المكان البيروقراطي الى كون هائل الأبعاد، نجر كافكا بدون تعمد في فلق صورة أذهلتنا بشبهها بمجتمع لم يعرفه أبدا، والذي هو مجتمع براغ اليوم.
ان الدولة الشمولية في الواقع هي إدارة واحدة ضخمة. طالما أن كل العمل هو للدولة، فإن كل فرد من كل المهن أصبه مستخدما. العامل ليسر عاملا، القافي ليس قاضيا، والبائع ليس بائعا والكاهن ليسر كاهنا، انهم جميعا موظفو الدولة. "انني انتمي الى المحكمة " قال الكاهن لجوزيف ك. في الكاتدرائية عند كافكا، يخدم المحامون المحكمة لن يثير دهشة أي مواطن في براغ، إذ أنه لن يجد دفاعا شرعيا عنه أفضل مما وجد ك. فالمحامون لا يعملون لخدمة المتهمين بل في خدمة المحكمة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ترجمة: أمل منصور (الأردن)
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alkarar.annuaire-forums.com
المحرر
Admin


عدد الرسائل : 20
العمر : 39
تاريخ التسجيل : 04/05/2007

مُساهمةموضوع: رد: Franz Kafka, فرانز كافكا   الخميس نوفمبر 15, 2007 10:43 am



مقدمة أو فإشارة
بقلم: عصام عيسى رجب


مواصلةً لمشروعه الجادِّ في ترجمة آثار كافكا مع تفسيراتها* إلى العربية، ينحو "إبراهيم وطفي" هذه المرّة منحىً آخرَ في الكتاب الذي أعدّه أخيراً "كافكا في النقد العربي (البداية)، 1994 – 2005" والصادرة طبعته الأولى في سبتمبر من هذا العام (2006 م).
الكتاب عبارة عن مجموعة مقالات (إثنتين وأربعين مقالة، مع ملاحظة أنّ من بين المقالات قصتان قصيرتان، كما أنّ المقالة رقم إحدى وأربعين، وكما سيأتي لاحقاً، هي مجموعة شهادات عن كافكا وردت جميعها في جريدة "أخبار الأدب") لعدد من الكتّاب يقارب عدد المقالات (للكُتّاب: السيّد حسين وناصر ونوس وفرج العشة مقالتان لكل كاتب، وهناك كاتب وحيد هو إبراهيم العريس له ثلاث مقالات، أما باقي الكتّاب فلكلٍّ مقالةٌ واحِدة).



ومن بين مقالات الكتاب هناك خمسٌ فقط لكاتِبات هن: أنيسة عبود وحليمة حطّاب وجمانة حدّاد وماري طوق و فرح جبر، الأولى مِن سوريا والثانية من مصر والثلاثة الأخيرات مِن لبنان.

وتمتد الفترة الزمنية التي نُشرت فيها مقالات الكتاب، في الصحف ومواقع الإنترنت العربية، كما أشار "وطفي" في غلاف الكتاب، من سنة 1994 م إلى 2005 م. مثلما جاءت في الغلاف كلمة (البداية) في إشارةٍ ربما إلى مقالات أخرى قد تصدر في كتاب ثانٍ فيما بعد.

يقول "وطفي" في مقدمته التي أسماها "إشارة": ما جاء في هذا الكتاب يمثل بداية المرحلة الثانية في تلقي آثار كافكا في البلاد العربية. وهو يضم المقالات التي عثرت عليها، بمجهود شخصي، في الصحف العربية، الورقية والإلكترونية، الصادرة بين عامي 1994 و 2005.

وكان "وطفي" قد ذكر في بداية "إشارته" إلى ما أسماه: المرحلة الأولى مِن وصول كافكا إلى القارئ العربي وتمتد بين عامي 1947 و 1994، وقد وضع أسسها وحدّد معالمها اثنان هما طه حسين (الذي نشر أول مقالة بالعربية عن كافكا في مجلة "الكاتب") وسعدي يوسف.


ولم يشأ "وطفي" أن يحول بين المقالات والقارئ، بل تركها تحكي بلسان كلماتِها وأفكارِها، فيقول: تحوي هذه المقالات بعض "المعلومات" الخاطئة، لم يجر حذفها ولا الرد عليها، إذ سيكتشفها القارئ بنفسه. وقد جاءت نقلاً عن مصادر غير رصينة، أو تأليفاً متعمداً.

وبهذا يترك "وطفي" للقارئ مهمّة اكتشاف "المعلومات" الخاطئة التي أشار إليها أعلاه، فكأنّه يقول للقارئ: ليس عليك أن تكون متلقّياً لما تقرأ فحسب، بل عليك أن تستخدم معرفتك وحاستك النقدية لتميّز الخطأ والصواب الذي احتوته المقالات.

وفي ظنّي أنّ الطريقَ لهكذا قراءة واحدٌ من اثنين: أمّا أن يكون القارئ قد قرأ مِن قبل آثار كافكا أو بعضاً منها، أو أن يدع مقالات الكتاب تجادل بعضها بعضاً ليستبين له من هذا الجدل
تلك "المعلومات" الخاطئة التي نبّه إليها "وطفي" في "إشارته"، ولكن مِن دون أن يبيِّنها.

وربّما يكون القارئُ الذي قرأ آثار كافكا أو دراسات عنها بلغة أخرى غير العربية أحسنَ حظّاً هنا كونه يستطيع أن يقارن ما قرأه هناك بما يجده هنا في هذي المقالات العربية الحرف واللسان.

وإن كُنّا نتمنّى لو أبانَ وطفي، وهو الأكثر دراية بهكذا "معلومات" خاطئة، تلكم الأخطاء حتى يتبيّنها القارئ، وتتكوّن لديه بذا معلومات أخرى صحيحة ترسم صورةً صحيحةً لكافكا وآثاره.


الحُكْم

في المقالتين الأوليين: "تقديم جديد بالعربية لكافكا" للسيّد حسين و "مشروع لإعادة ترجمة كافكا بأسلوب جديد" لناصر ونوس، يتناول الكاتبان قصة "الحُكْم" وترجمة "وطفي" لها، فيقول السيد حسين: .... فقد ضم (الكتاب) ترجمة لقصة قصيرة وهي لـ [فرانتس] كافكا وهي (الحكم) التي غطت 20 صفحة من الكتاب الذي يضم ما يزيد عن مائتي صفحة من القطع الصغير، بينما امتلأت الصفحات الباقي وهي 180 صفحة بتحليل للقصة وأهميتها وبنيتها وهيكليتها ووضعها في مجموع آثار كافكا ......"
ومثله تعرّض ناصر ونوس لترجمة "وطفي" لـ (الحكم) والدراسات التي تناولتها بالتحليل و التفسير، فكتب: .... لا يسعنا إلا أن نقول، دون مبالغة، إن الثقافة العربية محظوظة أن يأتي مترجم مثل ابراهيم وطفي ليترجم إليها أعمال كافكا، خاصة وأنه (المترجم) يأتي بطريقة جديدة في تقديم كاتب عالمي إلى القارئ العربي حيث أن لا يكتفي بترجمة عمل لكافكا ونشره وإنما يتبعه بدراسة أو مجموعة دراسات عنه وعن كاتبه ...."


رسالة إلى الوالد

تتناول عشر مقالات (من الثالثة وحتى الثانية عشر) رسالة كافكا الشهيرة إلى أبيه والمسمّاة (رسالة إلى الوالد) ...... في دراسته بعنوان "منذ بدء تاريخ البشرية" كتب فيلهم أمريش: "كتب فرانز كافكا رسالة إلى الوالد عندما كان يبلغ السادسة والثلاثين من عمره، وقبل وفاته بنحو خمسة أعوم. كان يقف أنذاك، عام 1919، في ذروة إبداعه الأدبي، إذ كان قد كتب قصص الحكم والانمساخ وفي مستعمرة العقاب ومجموعة القصص القصيرة التي صدرت في العام نفسه بعنوان طبيب ريفي، كما كان قد كتب روايتي المفقود والمحاكمة ونصوصاً أخرى. لذا يبدو مما يثير العجب أكثر أن يقوم كافكا في مثل هذا الوقت، الذي كان يتمتّع فيه بقدرة عالية على الإنتاج الأدبي، بمثل هذه المحاكمة الرهيبة مع والده ......"

ولننتقل إلى بعض المقالات التي تناولت (رسالة إلى الوالد)، يقول ناصر ونوّس في مقالته "فرانز كافكا وسيرة معاناته مع والده": ..... وفي "رسالة إلى الوالد" يتابع فرانز كافكا موضوعة العلاقة مع الأب. وهي الموضوعة التي بدأها مع قصة "الحكم". كتب كافكا هذه الرسالة عندما كان عمره 36 عاماً، وبعد كتابة "الحُكم" بسبعة أعوام. وتعتبر بمثابة تصفية حساب نهائية لعلاقته مع والده ...."

في مقالته "الهوية الممزقة"، كتب فرج العشة: تمثل "رسالة إلى الوالد" سيرة كافكا الشخصية، واعترافه الفذ بالمسكوت عنه مِن عالمه الخاص الحميم المخفي، وتعتبر مفتاح الولوج إلى "قلعة" عالمه الشعري السحري. إنها مركز كل ما كتب مِن قصص وروايات ويوميّات ورسائل، كما هو والده مركز حياته نفساً نفساً، وهاجساً هاجساً، نقطة الصفر في الحياة والكتابة، ألم يكتب إليه: "كتابتي كانت تدور حولك. والحقّ كنت أشكو فيها ما كنت لا أستطيع أن أشكوه على صدرك"....

ويكتب علي ديوب في مقالته "كافكا في "رسالة إلى الوالد": تفكيك للسلطة .. ودفاع ضد القمع": .... ترى هل يحالفنا الصواب لو اعتبرنا الخوف موضوع أدب كافكا مفتاحه لفهم الواقع؟ الخوف في الانمساخ، الخوف في الحكم، الخوف في الرسالة .. مفتاح للقبض على الحرية .."


.... لقد أمضى كافكا طفولة انعزالية تميّزت بانعدام الثقة بالنفس وبالخوف من الفشل. وطوال حياته كان واقعاً تحت نفوذ والده المتسلط والناجح. وكان يفهم عمله الأدبي على أنه محاولة هروب من الوالد.
وخير ما يعبّر عن علاقة كافكا بوالده هو رسالة إلى الولد.

وهذه الرسالة هي وثيقة عن سيرة حياة قبل أن تكون نصاً ذا طابع أدبي بحت، لكن النقّاد أعطوها صفة أدبية.
....................
....................
وتمثل رسالة إلى الوالد تصفية حساب عامة، لا تعرف الرحمة، ليس مع والده فحسب، وإنما مع نفسه أكثر. وهي، وإن لم تصل إلى المرسلة إليه، ظلّت ذات أهمية بالغة لكاتبها، وطبعها بيده على الآلة الكاتبة (باستثناء الورقة الأخيرة).
...................
...................
لقد كُتبت رسالة إلى الوالد بالقرب من براغ في العقد الثاني من القرن العشرين. وطُبِعت لأول مرة في ألمانيا في منتصف القرن. وطُبِعت ودرست بالشكل الجدير بها، أخيراً، في ألمانيا في العقد الأخير من هذا القرن (أي العشرين). وهنا يستقبلها القارئ العربي، كاملة لأول مرة. ما علاقة مجتمع براغ آنذاك بالمجتمع الألماني والمجتمع العربي الآن؟

إنّ سُلطة الأب هي، في أي مجتمع، السُلطة الأولى – بين ثلاث سُلطات – التي ينبغي الانعتاق نيرها، إذا أراد المرء أن يكون إنساناً حُرّاً، مستقِلاً، يقرر مصير نفسه بنفسه طبقاً لطبيعته وميوله وأهدافه .....


ملف "اخبار الأدب": كافكا، متاهة الواق وواقع المتاهة

ثلاث مقالات (من التاسعة والثلاثين إلى الواحد والأربعين) مُختارة مِن العدد الخاص مِن "أخبار الأدب" وهو العدد رقم 625 بتاريخ 3 يوليو 2005 م، وعنوانه "كافكا: متاهة الواقع وواقع المتاهة". ففي مقالته "عن كافكا" يقول جمال الغيطاني: .... رغم غرابة عالمه وكابوسيته يبدو مألوفاً، وكأننا جزء منه، يستيقظ بطل المسخ ليجد نفسه وقد تحول إلى حشرة ضخمة، ورغم غرابة التحول إلا أن هذا يبدو منطقياً في إطار العمل الفني، بل إننا مِن خلال التفاصيل الدقيقة التي يوردها المؤلف ولكن في بنية مغايرة للمألوف يشعر كلٌّ منّا أنه تلك الحشرة، التفاصيل شديدة الواقعية، إنها مفردات واقعنا، غير أنها مُصاغة في سياق مغاير يخلق واقعاً خاصّاً، غريباً، لكنه جد مألوف لنا، شيئاً فشيئاً نشعر أننا جزء من هذا العالم ...."

المقالة التي تلي مقالة الغيطاني هي لروائي مصري آخر هو محمود الورداني وعنوانها "ضرورة كافكا"، وفيها يكتب: .... وإذا كنت قد أعدت قراءته (يقصد كافكا)في بدايات شبابي المبكرة، إلا أنني أعدت قراءة الكثير مِن أعماله في كهولتي. ولشد ما أدهشني أنه ما زال طازجاً كأنه كتب في أيامنا هذه. كأنه يعيش بيننا ويواجه ما نواجهه. لذلك ما زال هذا النحيل بعينيه المرعوبتين صالحاً لاثارة كل هذا التوجس والخوف مِن آلات العِقاب المنصوبة للجميع، ومِن القضايا التي يكمن تلفيقها للجميع، ومِن هذا العالم الذي يبدو كأنه "ماكيت" العام آخر غامض مختفي في مكانٍ ما ...."

أمّا "المقالة" الثالثة التي اختارها "وطفي" مِن ذلك العدد الخاص من "أخبار الأدب" وعنوانها "كافكا أوّل المحرضين على الكتابة، كتاب وشعراء: بعضُهم أحبه وآخرون كرِهوه لكنّهم اتفقوا على أهميته" فهي (شهادات) أدلى بها كلٌّ من: إبراهيم عبد المجيد وأحمد أبو خنيجر وجمال الجمل وخليل صويلح وشعبان يوسف وصنع الله إبراهيم وعبد الغفار مكاوي ومحمد إبراهيم طه ومحمد المخزنجي ومحمد سليمان ومصطفى ذكرى ومنتصر القفاش ونصّار عبد الله و ياسر عبد اللطيف و يوسف أبو رية ونجيب محفوظ. فإذا أخذنا هنا شيئاً مِن تلك الشهادات، فلنسمع ما قاله الشاعر نصّار عبد الله: ..... عندما قرأتُ كافكا لأول مرة وبوجه خاص: "المحاكمة و "القلعة" و "مستوطنة العقاب" أحسست بأن كوابيسه تتقاطع مع كوابيسي الشخصية ومع كوابيس وطن بأكمله!! لقد كنت، وأظنني لا أزال، ينتابني إحساس بأن حياة الإنسان سواء على المستوى اليومي الفردي أو على المستوى السياسي أو على المستوى الوجودي ماهي إلا مواجهة متصلة لسلسلة من الاتهامات التي يوجهها إليه مِن لا نعرف على وجه التحديد مِن أعطاهم الحق في الاتهام، وأفدح مِن هذا أن أي اتهام لا يمكن أن يُفضي إلى تبرئة قط بل إنه يُفضي إلى اتهام جديد أو إلى محاكمة لا تعرف فيها مَن يُحاكمك على وجه التحديد، ولا مَن أعطاه الحقّ في المحاكمة، والمصير المؤكد في النهاية هو الموت لأن التهمة الحقيقية هي مجرّد الوجود " وهي تُهمة لا سبيل إلى دفعها بحال مِن الأحوال" ...

ألا يستدعي ما يقوله نصّار عبد الله هنا، ما صرخ به صلاح عبد الصبور في قصيدته (الظِّلُّ والصَّليب):

"هذا زمنُ الحقِّ الضائع
لا يعرِفُ فيه مقتولٌ مَن قاتِلُهُ ومتى قتَلَهْ
ورؤوسُ الناسِ على جُثثِ الحيوانات
ورؤوس الحيواناتِ على جُثثِ الناس
فتحسّسْ رأسك ..!!
فتحسّسْ رأسك ..!!"

ويكتب منتصر القفاش: .... وهذه السِّمة هي ما تشدني لأعمال كافكا، القدرة على أن تحكي غير المألوف دون أن تحتاج إلى تبريره وتقديم الأسباب التي أدَّت إليه ودون أن تحتاج إلى تأكيدات مستمرة إلى أنه مفارق لما اعتدنا عليه، وكافكا من الكُتّاب الذين وصلوا بهذه السِّمة إلى أقصى مدىً ممكن، و لا يترك شخصياته تنعم بما تراكمه مِن خبرات على مدار التجربة بل يدفعها أكثر إلى ملاقاة ما لا تتوقعه و لاتقدر على السيطرة عليه ....."

ويكتب مصطفى ذكرى: ..... يترك كافكا دائماً مِن يقرأه دون شبع، كما تستدعي المفاجأة والغرابة والبوليسية والتحوّل، تستدعي أيضاً الخوف، وهنا يكمن أكثر حلول كافكا ثورية وراديكالية على سلفيه العظيمين دوستويفسكي وإدجار بو، هنا الخوف مرحل قليلاً إلى البلادة والخمول، فلا ميلودرامية دوستويفسكي، ولا شاعرية إدجار بو. كان كافكا ينفر مِن الكتابات الجمالية. أتصوّر ماذا لو قرأ داريل وميلر وإدوارد الخراط.

أمّا عبد الغفّار مكّاوي فيقول: ..... إنّنا في حاجة لأن نتعلّم من كافكا التواضع والصدق والبساطة وعدم الإدعاء الذي أصبح سِمة مثقفين عرب كثيرين، كذلك يجب أن نتعلم منه العودة إلى الينابيع القديمة الأصيلة، العودة إلى الأسطورة، والتي اغترف منها كل الأدباء العظام.
كما أننا في حاجة إلى أن نعرف أن الأديب ليس بالضرورة شخصاً مثقفاً أو دودة كتب أو ملزماً بمحاكاة الأدباء العظام. فكافكا وتر لا يرتجف إلا مِن الداخل ولا يهتز من أي رياح تأتيه مِن الخارج.


المحاكمة، في مستوطنة العقاب والقلعة

في مقالته "المحاكمة ... ولكن لماذا لم يقاوم السيد ك؟" يتناول "إبراهيم العريس" رواية كافكا "المحاكمة" فيكتب: على الرغم أن رواية "المحاكمة" لكافكا تعتبر من أشهر روايات هذا الكاتب التشيكي باللغة الألمانية، فإن كافكا لم ينجزها أبداً، حتى وإن كان قد بدأ كتابتها قبل سنوات من رحيله" ثم يضيف بعد أن يحدثنا أن "المحاكمة" هي عن جوزف ك. (بطل الرواية كما هو معروف) الموظف البيروقراطي في شركة و ....، يضيف قائلاً: .... والحقيقة أنه رغم افتراض بعض الباحثين ** بأن كافكا، لو استكمل كتابة روايته هذه، كان سيكون من شأنه أن يقول لنا ماهي تهمة جوزف ك.، فإن الواقع يقول لنا إن الكاتب ما كان سيفعل هذا، وإلا فإن جوهر العمل نفسه سيضيع. لأن ك. ونحن ومُطارِدي ك. الذين قد يكونون مُطارِدينا نحن أيضاً، وقد نكون المُطّارَدين (بفتح الرَّاء) والمُطارِدين بكسر الرَّاء هذه المرَّة)، كل هذا القوم الجميل، لا يمكنه أن يعرف حقيقةالذنب ...."
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alkarar.annuaire-forums.com
المحرر
Admin


عدد الرسائل : 20
العمر : 39
تاريخ التسجيل : 04/05/2007

مُساهمةموضوع: رد: Franz Kafka, فرانز كافكا   الخميس نوفمبر 15, 2007 10:43 am

كافكا و "اليهودية"

واحِدة من النِقاط الجدلية التي أشارت إليها بعض المقالات هي يهودية (و أحياناً صهيونية!!! كافكا)، كما في مقالة "رسالة إلى الوالد لكافكا" لنزيه الشوفي و "قصة كافكا .. كاملة" لنصر الدين البحرة و "كافكا من هو؟! من داخل نصوصه" لحسن حميد: هذي المقالات أرادت أن تدمغ كافكا بدمغة اليهودية وبل والصهيونية أيضاً.

فمثلاً يكتب نصر الدين البحرة في بداية مقالته: "تساءلت وأنا أقرأ قبل أيّام في عدد من الصحف العربية، خبراً عن الكاتب اليهودي الصهيوني التشيكي الألماني: أهذا هو النفوذ الصهيوني ثقافيّاً يضغط على العام الثقافي ويفرض نفسه علينا .. بعدئذٍ؟ .. أم هو جهلنا .. أم تجاهلنا، أم واحدة من نتائج "التطبيع" مع العدو، حتّى بات بعض مثقفينا وأدبائنا "موضوعيين" إلى درجة الدفاع عن رموزه الثقافية والأدبية ثم يتباهون في ذلك، دون خجل أو حياء؟! ...."

ويكتب حسن حميد: ".... فما مسخه، و (صرصاره) إلا صورة من مقاومة اليهودية للغيتو الأروبي، من أجل النفاذ إلى (أرض الميعاد) التي (وعد) بها اليهود كما زعموا."

وتذهب مقالات أخرى في الإتجاه الآخر وهو إخراج كافكا وآثاره من طوق اليهودية والصهيونية التي تحاول المقالات السابقة ومثيلاتها إحكامه حولها، والإبحار بها نحو آفاق إنسانية أكثر رحابة وسِعة. مثال ذلك مقالة "الآخر هو العدوّ عندنا" لكمال سبتي و "هل كان كافكا صهيونيّاً؟" لحسام الدين حافظ و "هُوية كافكا: هل كان من شأن كافكا أن يُسمّى كاتِباً فلسطينيا؟!" لإبراهيم وطفي

يكتب حسام الدين حافظ وهو يعرض المقدمة التي كتبها كامل يوسف حين ترجم قصتي كافكا "في مستوطنة العقاب"*** و "بنات آوى وعرب": ".... ويحاول (أي كامل حسين) في مقدمته إيجاد أكثر من دليل ينفي تواصل كافكا مع مقولات الفكر الصهيوني، منها ما جاء في موسوعة "ماكميلان" للأدب العالمي التي اعتبرت كافكا مفتقراً للتعاطف الغريزي مع الصهيونية (رغم كونه يهوديا) ...."

أما "وطفي" فلعلّه أوفى هذه المسألة رداً حين يقول: وكانت لغة الحديث في بيت كافكا هي الألمانية وحدها. ولم يكن كافكا يعرف شيئاً من اللغة اليديشية، لغة يهود شرق أوروبا – (كان يتقن التشيكية والفرنسية، ويعرف الإنجليزية والإيطالية). ولم يتلق أي تربية دينية عند أهله. ولم يكن يعترف بيهوديته إلا إذا كان مضطراً. ولكافكا أقوال عديدة في رسائله إلى صديقته ميلينا تنم عن عدم استلطافه لليهود. ففي رسالة مؤرخة في 13 حزيران 1920 [أي قبل أربع سنوات من رحيله] كتب كافكا: رأيك باليهود الذين تعرفينهم طيّب أكثر من اللازم. أحياناً أتمنّى أن أحشرهم جميعاً (بما فيهم أنا) في الدرج، وأنتظر، ثم أسحب الدرج قليلاً كي أرى فيما إذا كانوا اختنقوا جميعاً، وإذا لم يكن هذا قد حدث، فأغلق الدرج، وأعيد العملية هكذا حتى النهاية.
............
ولكافكا جملة مشهورة تقول:"لم ترشدني يدُ المسيحية في الحياة مثل كير كيجارد، ولم ألتقط الطرف الأخير من رداء الصلاة اليهودي مثل الصهاينة"
...........
وقبل وفاته بأسابيع كتب إلى والد صديقته دورا ديامانت، التي كانت ترعاه في المستشفى، رسالة يرجوه فيها السماح له بالزواج من ابنته. ورغم أن والد دورا كان رجل دين، فقد ذكر له كافكا في رسالته بصراحة أنه ليس يهودياً مؤمناً.
...........
وفي مجموع آثار كافكا لا توجد شخصية يهودية واحدة."

ويمضي "وطفي" في مقالته أعلاه فيقول: أمّا خبراء الدعاية الصهيونية فقد قاموا بأكبر عملية (سطو) على كافكا، إذ ادّعوا أنه كان صهيونياً. وكان مرجعهم (الوثائقي) الأساسي في ذلك هو كتاب كتبه شخص يدعى غوستاف ينوش ونشره بعنوان (أحاديث مع كافكا).
..........
وما من دارس رصين من دارسي كافكا في العالم يعتبره مرجعاُ رصيناً. وإذا استشهد دارس جاد من هذا الكتاب، وهذا نادر، فإنه يفعل ذلك معرباً عن شكه في صحة هذا المصدر."****
...........
لكن كافكا ليس ملكاً لدولة ولا لصهيونية، وإنما هو أكثر من أي شاعر عالمي آخر، هو ملك البشر كلّهم ... (بما فيهم العرب طبعاً .. إذا أراد العرب).... ويبدو كافكا لبعض الدارسين كاتباً خارج كلّ تراث أدبي قومي وكل علائق تاريخية، من دون أي ماض.... كان كافكا طيلة حياته في موقف المنفي. وكانت هويته القومية لا تخلو من إشكالية. وكان بلا وطن حقيقي. ومن هنا – ربما – جاءت شموليته ....."


خاتمة

ما مِن شك أننا نلاحظ ونحن نقرأ مقالات كتاب "كافكا في النقد العربي" تنوّع هذه المقالات وتشعبها، ولا عجب في ذلك إذ أنّ وراءها هذا العدد الكبير مِن الكتّاب، والذين بالضرورة تختلف آراؤهم ورؤاهم عن كافكا وآثار كافكا .... ولكن ظنّي أننا نحن القراء نتفق على الجهد المُقدَّر الذي بذله إبراهيم وطفي وهو يجمع هذا العدد الكبير مِن المقالات بين دفتي كتاب، والذي هو، وكما أشرت في بداية كتابتي هذه، سير على خطا مشروعه الكبير في ترجمة آثار كافكا إلى العربية.



هوامش:


* أصدر إبراهيم وطفي مُجلدي "الآثار الكاملة مع تفسيراتها" لفرانز كافكا مُترجَمينِ عن الألمانية (اللغة التي كتب بها كافكا آثاره):
المجلد الأول (الأُسْرَة): ويحتوي ترجمة أربعة أعمال لكافكا هي قصص "الحُكْم" و "الوقاد" و "الانمساخ" (التي اشتهرت لدي القارئ العربي بـ "المسخ" كما ترجمها منير البعلبكي وعن لغة وسيطة وصدرت طبعتها الأولى عن دار العلم للملايين في تموز 1957 م) و "رسالة إلى الوالد". وقد أعقب وطفي ترجمة كلِّ هذه الأعمال بعدد كبير جداً من الدراسات المترجمة هي الأخرى عن الألمانية وبكم هائل من الإشارات والتحليلات والتفسيرات وإضاءات لحياة كافكا وأسرته، وهي بحق "تمثل طريقة جديدة في تقديم كاتب عالمي إلى القارئ العربي" كما جاء في الغلاف الأخير لهذا المجلد الضخم الذي يتألف من 847 صفحة. وقد صدرت الطبعة الثانية (منقّحة) لهذا المجلد عام 2003 م، وناشرها هو المترجم نفسه أي إبراهيم وطفي وتوزيع دار الحصاد السورية.

أمّا المجلد الثاني (الذَّات)، فهو مُكرّس بأكمله (815 صفحة) لرواية كافكا الشهيرة (المُحاكمة). ونقرأ في الغلاف الأخير لهذا المجلد ما يلي:

"يضم هذا المجلد الثاني من "الآثار الكاملة" لكافكا:

1- نصوص رواية "المحاكمة"، بتسلسل فصول صحيح لأول مرة في العالم.

2- عشرين مقالة عن الرواية، وضعت خلال نصف قرن.

3- آخر وأهم دراسة عن الرواية: كتاب "رسالة كافكا غير المُدرَكة".

4- أحاديث مع أهم مُفسِّر لرواية "المحاكمة".

5- من سيرة حياة كافكا وتلقي آثاره في العالم.

وصدرت الطبعة الثانية (موّسعة) للمجلد الثاني عام 2004 م من ذات الناشر، أي المترجم، وتوزيع دار الحصاد كذلك.
أما المجلدات: الثالث (الشعر) والرابع (القصص) والخامس (المجتمع الصناعي) – رواية "المفقود" والسادس (الكون البشري) – رواية "القلعة"، فلم تصدر بعد.

هذا ما تُشيرُ إليه الصفحات الأخيرة مِن المجلدين الأول والثاني، ولكن أفادني وطفي أخيراً أنه سيجعل الثالث يحتوي كافة قصص كافكا، باستثناء "الحُكْم" و "الانمساخ"، مما يعني دمج المجلدين الثالث والرابع في مجلد واحد وسيحمل عنوان "القصص / البنية الجدلية للوجود البشري".

والسؤال المُهِم هنا هو: لماذا لم تتولَّ أية "دار نشر" عربية إصدار هذه المجلدات الخمسة، حتى ينبري المترجم نفسه لنشر المجلدين الأولين، ولا ندري متى ستُنشَر الثلاثة الباقية؟! ما الذي يشغل هذي الدور مِن أن تسعى لنشر كل المجلدات تقديراً متواضعاً لجهدٍ جبّارٍ كهذا ....؟! هل هي "تُهمة" يهودية كافكا ما يجعل هؤلاء "الناشرين" يحجمون عن نشر آثاره وما يمت إليها من دراسات و ....؟! هل هي ضخامة المجلدان مع جِدّية الآثار ودراساتها مما قد يراه الناشر عملاً غير مجدٍ ماديّاً، فالأولى مثلاً أن ينشر عوضاً عن ذلك روايةً خليجيةً وأنثويةً تحديداً خفيفةَ النَّفَس والحِبر والورق، فماله إذاً و"قتامة وصرامة" كافكا ....؟!

** لابد هنا مِن الإشارة إلى ما قام به "كريستيان إشفايلر" أفضل مُفسّر لكافكا، كما خاطبه إبراهيم وطفي في إحدى رسائله له، مِن إعادة ترتيب فصول رواية "المحاكمة" على غير ما صدرت به مِن قبل، وتفسيره لها تفسيراً أقل ما يوصف به أنه غاية في العمق والدّقة (أنظر كتاب إشفاير "رسالة كافكا غير المدركة" والذي ترجمه وطفي ضمن ترجمته للدراسات المكرسة لرواية المحاكمة) ..... والعربية لا شك محظوظه إذ أنّ ترجمة وطفي لـ "المحاكمة" هي أول صدور لها وفق ترتيب إشفايلر لها، بل لعلها هي الوحيدة إلى الآن على مستوى جميع لغات العالم!!!

*** في المجلد الثاني وفي الدراسة الثانية، من عشرين دراسة أخرى تلي ترجمة "وطفي" لـ "المحاكمة"، وهي بعنوان "المفقود في المجتمع الصناعي" لمارتن بفايفر و جان – ماري شتراوب، يكتب الكاتبان: إن المدهش في كافكا هو أنه كان ٍالشاعر الأول (وحتى الآن الوحيد على الأرجح) لما يسمّى المجتمع الصناعي. وإضاءةً لهذه الجملة يكتب "وطفي": تستخدم كلمة "شاعر" في هذا الكتاب بالمعنى الأوروبي: مبدع أي أدب رفيع، موزوناً كان أم منثوراً، روائياً قصصياً كان أم مسرحياً .....
وأقول هنا، مازال بعضنا في عالمنا العربي يعترك حول "قصيدة النثر" و .... و ....

**** في حوار أجراه إبراهيم وطفي مع راينر شتاخ، كاتب سيرة كافكا، يقول الأخير وقد سأله الأول عن مدى مصداقية غوستاف يانوش: لقد ثبت منذ مدة طويلة أن تقارير يانوش عن أحاديثه مع كافكا غير موثوق بها. بل إنه يمكن للمرء لدى بعض الجُمَل أن يُثبِت مِن أين نقلها (مع تعديلها على على نحو طفيف). لا مراء أنه ينقل أيضاً بعض أقوال كافكا الصحيحة، لكن لا يمكن للمرء أن يعرف قط فيما إذا كان قد سمعها أم ابتدعها، أم إذا كانت مزيجاً من الاثنين. وعندما كانت تجري مواجهة يانوش في محادثة شخصية بهذه التناقضات، كان يشير ساخراَ إلى "ذاكرته السئية".


(شاعر مِن السودان، مُقيم في السعودية)
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alkarar.annuaire-forums.com
 
Franz Kafka, فرانز كافكا
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
عالـــم واحد One world .. :: شخصيات خدمت الانسانية Personalities :: شخصيات عالمية Personalities of the world-
انتقل الى: